حلم ممانِع

حلم ممانِع

  • ١٧ آذار ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

في الصباح، حين يهدأ ضجيج الشعارات، يبقى شيء واحد فقط على الأرض: قرى مدمّرة، عائلات نازحة، ومدارس رسمية تحولت إلى ملاجئ مؤقتة..

في مكان ما من هذا البلد، ينام الممانع مطمئناً. ليس لأنّ الواقع مطمئن، بل لأنّ الحلم جاهز دائماً لإنقاذه من الواقع. ففي الحلم تبدأ الحكاية على طريق الجنوب. صحيح أنّ السماء ملبّدة بالطائرات الإسرائيلية، والأرض تهتز تحت هدير الدبابات، والقرى تبدو كأنّها على أبواب معركة كبرى، لكن فجأة يتغيّر المشهد ويسرح الخيال. تنطلق الصواريخ، تتعطل الدبابات، وتتحول ساحة المعركة إلى مسرح بطولة.

في حلم الممانع، كل شيء يسير وفق السيناريو الذي يحبه. الدبابات الإسرائيلية، خصوصاً الميركافا التي طالما قُدّمت كرمز للقوة العسكرية الإسرائيلية، تتوقف واحدة تلو الأخرى. بعضها يُدمَّر، وبعضها يهرب، وبعضها يتحول إلى غنيمة حرب. الجنود الإسرائيليون يتساقطون بالعشرات، والبعض منهم يقع في الأسر، لتبدأ بعدها الاحتفالات والخطابات ومهرجانات الإنتصار.

في الحلم أيضاً، الجنوب محمي بالكامل. الحدود تتحول إلى جدار نار. والمقاتل الذي يحمل البندقية يصبح بطلاً أسطورياً يقف وحده تقريباً في وجه الجيش الإسرائيلي.

تُرفع الرايات. تُلقى الخطب. تطلق المفرقعات والرصاص. ويُعاد إنتاج تلك الصورة التي يحبها الخطاب الممانع: إسرائيل ضعيفة، مرتبكة، خائفة من مواجهة المقاومة.

لكن الأحلام، مهما كانت جميلة، لها مشكلة صغيرة: أنّها تنتهي عند أول ضوء صباح. وحين يفتح الممانع عينيه، يبدأ الواقع بالظهور، ببرودة لا تشبه حميمية الأحلام.

الواقع يقول إنّ الحرب مستمرة منذ أربعة عشر يوماً. ويقول أيضاً إنّ إسرائيل، رغم كل ما قيل عن الخسائر الكبيرة، لم تخسر سوى جنديين. الواقع يقول إنّ الجيش الإسرائيلي لم ينهَر، ولم يهرب، ولم تتساقط دباباته بالعشرات. بل على العكس، آلته العسكرية تتحرك بهدوء، يتقدم على الأرض، ويقاتل وفق خطط عسكرية واضحة، لا وفق الشعارات.

الفرق بين الحلم والواقع هنا ليس مجرد تفصيل صغير. بل هو الفجوة الكاملة بين الرواية والحقيقة. في الرواية الممانِعة، الحرب دائماً ملحمة بطولية. وفي الحقيقة، الحرب ميزان قوة قاس، تُقاس فيه الأمور بالأرقام والقدرات والتكنولوجيا، لا بالخطب والأحاسيس والمشاعر.

لكن المشكلة لا تتوقف عند حدود المبالغة في تصوير المعركة. المشكلة أعمق من ذلك. فالخطاب الممانع بنى، طوال سنوات، عالماً كاملاً يعيش فيه أتباعه. عالم تُعاد فيه صياغة الوقائع بحيث تبقى النتيجة واحدة دائماً: نحن ننتصر. حتى عندما يكون الثمن دمار القرى. وحتى عندما يتحول الجنوب إلى أرض محروقة. وحتى عندما تسوّى قرى كاملة منازلها بالأرض، بيوت تهدّمت فوق ذكريات أهلها، وطرق كانت يوماً تعج بالحياة تحولت إلى أطلال صامتة.

وفي الضاحية، التي طالما قُدِمت كمدينة الممانع، ارتفعت مشاهد أخرى لا تظهر في الخطب والأحلام. مبان كاملة دُمّرت، أحياء سُوّيت بالتراب، وعائلات وجدت نفسها فجأة بلا سقف يحميها. أما أنصار الحزب أنفسهم، الذين قيل لهم لسنوات إنّهم يعيشون في زمن الإنتصار، فقد وجد كثيرون منهم أنفسهم مشردين. بعضهم نام في المدارس الرسمية، وبعضهم افترش قاعات البلديات أو بيوت الأقارب، ينتظر نهاية حرب لا يعرف متى تنتهي.

المفارقة القاسية أنّ المجتمع الذي قيل له إنّه البيئة الحاضنة للنصر هو نفسه المجتمع الذي يدفع الكلفة الأكبر للحرب. لكن في عالم الحلم، لا مكان لهذه الصور. لا مكان لمدرسة تحولت إلى مأوى للنازحين. ولا لقرية اختفت بيوتها تحت الركام. ولا لعائلة تحمل ما بقي من حياتها في حقيبة صغيرة. في هذا العالم، لا مكان للأسئلة. لا يُسأل لماذا تبدو إسرائيل، في كل مواجهة، أكثر تنظيماً واستعداداً للحرب. ولا يُسأل لماذا يتحوّل لبنان في كل مرة إلى ساحة دمار أكبر. بدلاً من ذلك، يستمر إنتاج الحلم.

لكن المفارقة أنّ الممانع، خارج ساحة الحلم العسكري، بارع في أمور أخرى تماماً. بارع في ممارسة السطوة داخل بيئته. بارع في إسكات المعارضين وقتلهم. بارع في فرض نوع من الديكتاتورية الإجتماعية والسياسية داخل المناطق التي يسيطر عليها.

هناك، في الضاحية، لا يظهر ذلك المقاتل الأسطوري الذي يهزم الجيوش. بل يظهر جهاز أمني بارع في السيطرة على المجتمع، وفي بناء سجون لا يعرف أحد الكثير عنها. هناك أيضاً يظهر الإنتماء الحقيقي: الولاء لإيران أولاً، ثم لكل ما يأتي بعدها.

في تلك اللحظة يتضح أنّ الحلم ليس مجرد خيال عابر، بل جزء من طريقة كاملة لفهم العالم. فحين يكون الواقع قاسياً، يصبح الحلم ضرورة سياسية. وحين يكون ميزان القوة غير متكافئ، تصبح الرواية بديلاً عن الحقيقة.

لهذا السبب يستمر الحلم الممانع. كل ليلة معركة جديدة تُخاض في المخيلة. كل ليلة دبابات تحترق. كل ليلة جنود يُؤسرون. لكن في الصباح، حين يهدأ ضجيج الشعارات، يبقى شيء واحد فقط على الأرض: قرى مدمّرة، عائلات نازحة، ومدارس رسمية تحولت إلى ملاجئ مؤقتة… وجيش إسرائيلي قوي، مستعد للحرب ويتقدم على الأرض.

أما الحلم، فيبقى حيث كان دائماً: وسيلة للهروب من واقع لا يريد أصحابه الاعتراف به. إنّ أكثر ما تحتاجه بيئة المقاومة هو الإستفاقة من النوم وتخطي الحلم والعودة إلى أرض الواقع... وهذا أبدى حتى من تسليم السلاح.