عقيدة «الظهور»… لماذا لا تفكر إيران بالاستسلام؟
عقيدة «الظهور»… لماذا لا تفكر إيران بالاستسلام؟
هذه الأفكار، حتى لو بقيت في حدود الدوائر العقائدية الضيقة، جديرة بالانتباه. لأنّها تذكّر بأنّ السياسة في الشرق الأوسط لا تُدار دائماً بمنطق القوة وحده. أحياناً تُدار أيضاً بمنطق الرموز.
في النقاش الدائر حول إيران اليوم، يركز معظمنا على موازين القوى: أنواع الصواريخ، الحلفاء الإقليميون، الاقتصاد الخاضع للعقوبات، أو الصراع المفتوح مع الغرب. غير أنّ زاوية أخرى غالباً ما تغيب عن هذا النقاش، رغم أنّها حاضرة بعمق في بعض دوائر السلطة، الزاوية العقائدية، وهي الفكرة القائلة إنّ التاريخ نفسه يسير نحو لحظة كبرى تُعرف في الأدبيات الشيعية بـ«الظهور»، أي لحظة خروج الإمام المهدي وبدء مرحلة جديدة من العدالة الإلهية في العالم.
هذه الفكرة ليست مجرد تأمل ديني أو انتظار غيبي. في بعض القراءات داخل البيئة الشيعية، تتحول إلى إطار لفهم الأحداث الجارية، بل أحياناً إلى طريقة لتفسير الصراعات والحروب الجارية في المنطقة.
ضمن هذه الخلفية يظهر إسم مجتبى خامنئي. فالرجل الذي وصل إلى موقع القيادة بعد اغتيال والده، ليس مجرد وريث سياسي داخل النظام الإيراني. في أوساط قريبة منه، يُنظر إليه أيضاً كشخص متأثر بشدة بالأدبيات المرتبطة بعلامات الظهور، وهي مجموعة روايات ومعتقدات تتحدث عن شخصيات وأحداث تسبق خروج الإمام المهدي.
من بين هذه الشخصيات تبرز شخصية «الخراساني». في الروايات الشيعية، يُصوَّر الخراساني كقائد هاشمي (أي من بني هاشم، وتحديداً من بيت الإمام علي) يخرج من منطقة خراسان، وهي الشرق الإيراني تقريباً، رافعاً الرايات السود لنصرة المهدي. يتحرك باتجاه العراق، تحديداً نحو الكوفة، ويخوض صراعاً مع شخصية أخرى محورية تُعرف باسم «السفياني».
هذه الروايات بقيت، لقرون طويلة، جزءاً من المخيال الديني الشيعي أكثر مما كانت جزءاً من السياسة. لكن في بعض اللحظات التاريخية، عادت لتطفو على السطح، خصوصاً حين تتقاطع العقيدة مع السلطة وأزمنة الحرب.
في هذا السياق، كان يُنقل عن مجتبى خامنئي، في دوائر ضيقة، أنّه كان مقتنعاً بأنّ والده علي خامنئي قد يكون المقصود بشخصية الخراساني. الفكرة هنا ليست غريبة بالكامل داخل بعض التيارات العقائدية في إيران، حيث جرى مراراً تفسير الأحداث السياسية الكبرى على أنّها تمهيد لمرحلة الظهور.
لكن اغتيال المرشد السابق، وصعود مجتبى نفسه إلى موقع القيادة، يفتح باباً آخر للتأويل. في مثل هذه القراءات، قد تتحول الشخصية التي كانت تُرى في الأب إلى الإبن. ليس لأنّ النصوص تغيّرت، بل لأنّ التأويلات هي دائماً قابلة لإعادة القراءة وفق اللحظة التاريخية.
المسألة لا تقف عند الخراساني وحده. فالروايات نفسها تتحدث عن شخصية مقابلة: السفياني. وهو، في الأدبيات الشيعية، قائد يخرج من بلاد الشام ويخوض صراعاً كبيراً قبل ظهور المهدي. في بعض النقاشات العقائدية الدائرة في محيط مجتبى خامنئي، بدأ يظهر تفسير يربط هذه الشخصية بالرئيس السوري أحمد الشرع.
مرة أخرى، لا يعني ذلك أنّ هذه القراءة تمثل موقفاً رسمياً للدولة الإيرانية. لكنها تكشف شيئاً مهماً: الطريقة التي يمكن أن تتسلل بها الروايات الدينية القديمة إلى تفسير السياسة المعاصرة.
المشكلة هنا ليست في الإيمان الديني بحد ذاته. فالمعتقدات حول نهاية الزمن أو العدالة الإلهية موجودة في معظم الأديان. المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه المعتقدات إلى عدسة تُقرأ من خلالها الصراعات الجيوسياسية اليومية. عندها يصبح الحدث السياسي أكثر من مجرد حدث. قد يتحول إلى «علامة». وقد يُقرأ النزاع العسكري كجزء من مسار تاريخي أكبر، لا كصراع قابل للحل بالتسويات التقليدية.
لهذا السبب تبدو هذه الأفكار، حتى لو بقيت في حدود الدوائر العقائدية الضيقة، جديرة بالانتباه. ليس لأنّها تعني بالضرورة أنّ القرارات الكبرى تُتخذ بناءً عليها، بل لأنّها تذكّر بأنّ السياسة في الشرق الأوسط لا تُدار دائماً بمنطق القوة وحده. أحياناً تُدار أيضاً بمنطق الرموز.
ومع ذلك، لا بدّ من القول أنّ هذه العقائد، في جوهرها، تبقى جزءاً من عالم الإيمان والتأويل، لا من عالم الحقائق القابلة للإثبات. التاريخ الحديث مليء بمحاولات قراءة الحاضر بوصفه تمهيداً لنهاية كبرى، وغالباً ما كانت هذه القراءات انعكاساً لرغبات أصحابها أكثر مما كانت وصفاً دقيقاً لمسار التاريخ.
لكن المفارقة أنّ خطأ هذه العقائد لا يلغي أثرها السياسي. فحين يقتنع بعض صانعي القرار بأنّهم يعيشون بالفعل «زمن العلامات»، يصبح التراجع أو الاستسلام أمراً شبه مستحيل. من يرى نفسه جزءاً من قصة كبرى تمهّد لحدث كوني، لن يتصرف بعقلية دولة تبحث فقط عن تسوية أو مخرج آمن، بل سيعتبر الصراع نفسه جزءاً من المهمة.
لهذا، حتى لو كانت هذه الروايات في نظر كثيرين مجرد أساطير دينية أو تأويلات متخيَّلة، فإنّ وجودها داخل العقل السياسي لبعض قادة إيران يكفي لفهم أمر أساسي: فكرة الاستسلام، في مثل هذا المناخ العقائدي، ليست خياراً مطروحاً أصلاً. ليس لأنّ كلفتها العسكرية كبيرة، بل لأنّ كلفتها الدينية والرمزية، في نظرهم، أكبر بكثير.

