الجولة الثانية.. ملاحظات على هامش الحرب
الجولة الثانية.. ملاحظات على هامش الحرب
هذه الحرب نسخة معدّلة من الحرب السابقة. الفرق الوحيد أنّ العنف ازداد، والمجتمع أصبح أكثر تعباً. ربما لهذه الأسباب تبدو الحرب الحالية أقل صخباً في الوعي العام، رغم أنّها أكثر قسوة في الميدان.
الجديد ليس في الأسلوب، بل في مستوى العنف.
ومع ذلك، في قلب هذا العنف، تستمر المفارقة نفسها: إسرائيل لا تزال ترسل الإنذارات قبل قصف معظم الأهداف. رسائل نصية أو على منصة إكس، اتصالات، أو منشورات تحذر السكان من إخلاء مبنى أو حي. في منطق الحروب الحديثة، يُقدَّم هذا السلوك كنوع من «الإنسانية العسكرية»، أو كما يحب البعض وصفه بسخرية: كرم أخلاقي في قلب آلة الحرب.
لكن ما تغيّر فعلاً هو المزاج. قبل عام ونصف، كان استقبال النازحين أقرب إلى فعل تضامن وطني واسع. البيوت فُتحت، المدارس استقبلت، والإيجارات بقيت في حدود يمكن احتمالها. اليوم، الصورة مختلفة بعض الشيء. القدرة على الاستيعاب تراجعت، والإيواء لم يعد تلقائياً كما كان. بعض المنازل تُؤجَّر بأسعار مرتفعة، وبعض المناطق تتردد في استقبال موجة جديدة من النزوح. ليس لأنّ اللبنانيين أصبحوا أقل تعاطفاً، بل لأنّ البلاد نفسها أصبحت أكثر إنهاكاً.
في المقابل، داخل صفوف النازحين أنفسهم، بدأت تتسلل نبرة مختلفة. النقمة على حزب الله ارتفعت. كثيرون يرون في هذه الحرب امتداداً لسلسلة من المغامرات التي يدفع ثمنها المجتمع الشيعي أولاً، ولبنان ثانياً. لكن هذه النقمة، حتى الآن، لا تزال في حدود التذمر أكثر منها مشروعاً سياسياً. إنّها غضب بلا أدوات، واعتراض بلا قوة كافية لتغيير المسار.
الدولة اللبنانية، من جهتها، تحاول رسم مسافة جديدة بينها وبين الحزب. قطعت علاقات رسمية معه، وأوقفت بعض أنصاره، وأرسلت إشارات واضحة بأنّها لا تريد أن تكون جزءاً من هذه المواجهة. لكن هذه المسافة لها سقف واضح. الدولة لن تقاتل حزب الله. لا لأنّ القرار غير مرغوب، بل لأنّ القدرة غير موجودة. وهكذا يبقى لبنان في تلك المنطقة الرمادية التي أتقن العيش فيها: دولة تعلن موقفاً، وتنأى بنفسها، لكنها تعرف أنّ ميزان القوى الداخلي لا يسمح لها بأن تذهب أبعد من ذلك.

