الجولة الثانية.. ملاحظات على هامش الحرب

الجولة الثانية.. ملاحظات على هامش الحرب

  • ٠٩ آذار ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

هذه الحرب نسخة معدّلة من الحرب السابقة. الفرق الوحيد أنّ العنف ازداد، والمجتمع أصبح أكثر تعباً. ربما لهذه الأسباب تبدو الحرب الحالية أقل صخباً في الوعي العام، رغم أنّها أكثر قسوة في الميدان.

ليست هذه الحرب جديدة تماماً. هي، في الحقيقة، المشهد نفسه وقد عاد إلى المسرح بعد عام ونصف تقريباً، لكن بديكور أكثر قسوة وإضاءة أشدّ. الصواريخ نفسها تعبر السماء، والطائرات نفسها تدور فوق القرى، والاغتيالات ما زالت تُنفَّذ بالدقة القاتلة ذاتها. حتى المباني التي تُهدم تبدو كأنّها نسخة عن تلك التي سقطت في الجولة السابقة: مراكز اجتماعية، مخازن حزبية، بيوت يُقال إنّها جزء من البنية اللوجستية لـحزب الله.

الجديد ليس في الأسلوب، بل في مستوى العنف.

في الحرب السابقة، بدا وكأنّ إسرائيل تتحرك ضمن إطار من الضوابط غير المعلنة: ضربات محسوبة، إيقاع بطيء نسبياً، ومحاولة إبقاء النار ضمن حدود يمكن السيطرة عليها. أما اليوم، فالصورة مختلفة. العنف أشدّ، والإيقاع أسرع، والضربات أوسع. كأنّ الجيش الإسرائيلي قرر أن يختصر الزمن، أو أن يتصرف وكأن القيود القديمة لم تعد ملزمة.

ومع ذلك، في قلب هذا العنف، تستمر المفارقة نفسها: إسرائيل لا تزال ترسل الإنذارات قبل قصف معظم الأهداف. رسائل نصية أو على منصة إكس، اتصالات، أو منشورات تحذر السكان من إخلاء مبنى أو حي. في منطق الحروب الحديثة، يُقدَّم هذا السلوك كنوع من «الإنسانية العسكرية»، أو كما يحب البعض وصفه بسخرية: كرم أخلاقي في قلب آلة الحرب.

لكن الإنذار لا يغيّر كثيراً من النتيجة. النتيجة هي النزوح. فمرة أخرى، تتحرك القرى الجنوبية نحو الداخل. سيارات محمّلة بالعائلات والحقائب والأراغيل، طرق مزدحمة، ومدارس أو شقق مؤقتة تتحول إلى ملاجئ. غير أنّ هذا النزوح، حتى الآن، لم يبلغ الحجم الذي شهده لبنان في الحرب السابقة. السبب بسيط: البقاع لم يتحرك بعد. ما دام أهله في أماكنهم، يبقى النزوح ناقصاً، وكأنّ الحرب لم تصل بعد إلى كامل مداها الجغرافي.

لكن ما تغيّر فعلاً هو المزاج. قبل عام ونصف، كان استقبال النازحين أقرب إلى فعل تضامن وطني واسع. البيوت فُتحت، المدارس استقبلت، والإيجارات بقيت في حدود يمكن احتمالها. اليوم، الصورة مختلفة بعض الشيء. القدرة على الاستيعاب تراجعت، والإيواء لم يعد تلقائياً كما كان. بعض المنازل تُؤجَّر بأسعار مرتفعة، وبعض المناطق تتردد في استقبال موجة جديدة من النزوح. ليس لأنّ اللبنانيين أصبحوا أقل تعاطفاً، بل لأنّ البلاد نفسها أصبحت أكثر إنهاكاً.

في المقابل، داخل صفوف النازحين أنفسهم، بدأت تتسلل نبرة مختلفة. النقمة على حزب الله ارتفعت. كثيرون يرون في هذه الحرب امتداداً لسلسلة من المغامرات التي يدفع ثمنها المجتمع الشيعي أولاً، ولبنان ثانياً. لكن هذه النقمة، حتى الآن، لا تزال في حدود التذمر أكثر منها مشروعاً سياسياً. إنّها غضب بلا أدوات، واعتراض بلا قوة كافية لتغيير المسار.

الدولة اللبنانية، من جهتها، تحاول رسم مسافة جديدة بينها وبين الحزب. قطعت علاقات رسمية معه، وأوقفت بعض أنصاره، وأرسلت إشارات واضحة بأنّها لا تريد أن تكون جزءاً من هذه المواجهة. لكن هذه المسافة لها سقف واضح. الدولة لن تقاتل حزب الله. لا لأنّ القرار غير مرغوب، بل لأنّ القدرة غير موجودة. وهكذا يبقى لبنان في تلك المنطقة الرمادية التي أتقن العيش فيها: دولة تعلن موقفاً، وتنأى بنفسها، لكنها تعرف أنّ ميزان القوى الداخلي لا يسمح لها بأن تذهب أبعد من ذلك.

في النهاية، تبدو هذه الحرب كأنّها نسخة معدّلة من الحرب السابقة. الأسلوب نفسه، الأدوات نفسها، حتى اللغة السياسية نفسها. الفرق الوحيد أنّ العنف ازداد، وأنّ المجتمع أصبح أكثر تعباً. ربما لهذه الأسباب تبدو الحرب الحالية أقل صخباً في الوعي العام، رغم أنّها أكثر قسوة في الميدان.
الناس تعلّمت، بطريقة قاسية، أنّ الحروب في هذا البلد لا تغيّر الكثير في نهايتها. تقتل بعض الرجال، تهدم بعض المباني، وتضيف طبقة جديدة من الغبار فوق طبقات قديمة، ثم تعود الحياة لتستأنف إيقاعها، كأنّ شيئاً لم يكن.