أنثروبولوجيا المقهى اللبناني
أنثروبولوجيا المقهى اللبناني
في بلد يعيش على إيقاع الأزمات، يملك الجميع تفسيراً لكل شيء
لا تحتاج لزيارة القرى اللبنانية المحاطة بالغابات لتدرس السلوك البشري، فهذا أمر قد يصح في البرازيل أو الكونغو مثلاً. يكفي أن تجلس ساعة واحدة في مقهى، أو تركب «سرفيس»، أو تفتح «الفايسبوك» بعد منتصف الليل
هناك ستجد الكائن اللبناني الحديث: إنسان يعيش وسط انهيار اقتصادي، وخوف دائم من الحرب، ودولة بالكاد تعمل. لكنه لا يزال يملك طاقة لا نهائية للتحليل، والشرح، والعلاقات العامة، والبطولات الوهمية، والمشاريع التي لن تبدأ أبداً.
أنثروبولوجيا الرجل الذي يعرف كل شيء
في لبنان، هناك رجل لا يجهل يفهم بالاقتصاد، والطب، والصواريخ الإيرانية، وتاريخ الكنيسة، وأسعار النفط، وأسباب انهيار الإمبراطورية العثمانية، ومستقبل الدولار...
هذا الرجل لم يقرأ كتاباً منذ سنوات، لكنه شاهد بضعة فيديوهات قصيرة، ويمتلك ثقة بالنفس تكفي لإدارة كوكب كامل.
إذا سألته عن مرض نادر، يعطيك وصفة حفظها. إذا سألته عن الحرب، يرسم لك الخرائط على الطاولة. وإذا سألته عن الاقتصاد، يتنهد كأنّه خرج للتو من اجتماع "صندوق النقد الدولي.
إنّه لا يقول لا أعرف. فتلك الجملة تعتبر إهانة لرجولته. لذلك يشرح كل شيء بثقة مرعبة، حتى عندما يكون مخطئاً تماماً.
أنثروبولوجيا الرجل الذي يعرف الجميع
هذا الكائن أكثر تعقيداً. إنّه الرجل الذي يعرف رئيس الحزب، ومدير المخابرات، وصاحب المصرف، وابن أخت الوزير، وضابطاً كبيراً «ما حدا بيسترجي يحكي معو»
في الحقيقة، غالباً ما تكون علاقته المباشرة عبارة عن صورة قديمة، أو معرفة بعيدة عبر خمسة أشخاص، أو مصافحة سريعة في عزاء سنة ٢٠١٤.
إنّه ابن مجتمع فقد ثقته بالدولة، فاستبدل القانون بالمعرفة الشخصية، واستبدل المؤسسات بلائحة أرقام في هاتفه.
أنثروبولوجيا المؤمن بالمؤامرات
بالنسبة لهذا، لا يحدث شيء بشكل طبيعي. إذا ارتفع سعر الذهب، فهناك مؤامرة. إذا انقطعت الكهرباء، فهناك غرفة سوداء. إذا تأخر الشتاء، فالأقمار الصناعية متورطة حتماً.
الرجل المؤمن بالمؤامرات يشعر دائماً أنّ هناك حقيقة مخفية. وكلما غابت الأدلة، ازداد اقتناعاً. حتى الكورونا هي بالنسبة له مؤامرة لتقليص عدد البشر.
يشاهد كل ليلة فيديو بعنوان: «الحقيقة التي لا يريدونك أن تعرفها»، فيصدقه فوراً، لأنّ الموسيقى في الخلفية كانت مخيفة.
إنه يعيش داخل فيلم دائم، حيث لا شيء بسيط، ولا شيء عفوي، وكل كارثة مرتبطة حتماً بالموساد والماسونية ورجل أعمال لبناني غامض يحرك البلد من مقهى في واشنطن.
أنثروبولوجيا الناشط الحزبي
الناشط الحزبي اللبناني لا يعيش السياسة، بل يستهلكها كهوية شخصية كاملة. يستيقظ صباحاً ويسأل نفسه: «من يجب أن أكره اليوم؟»
هذا الناشط لا يملك رأياً مستقلاً فعلياً. بل ينتظر التعميم السياسي ليعرف متى يغضب، ومتى يصفق، ومتى يشتم.
قبل سنة، كان يشرح لك لماذا هذا التحالف خيانة وطنية. واليوم يشرح لك لماذا هو ضرورة استراتيجية تاريخية. أما وظيفته فهي إعادة نشر التصاميم، وخوض معارك إلكترونية مع غرباء لا يعرفهم.
إنّه جندي رقمي في حرب لا تنتهي. مجرد بيدق في معركة زعيمه، بينما زعيمه نفسه يحتسي القهوة مع خصومه في مكان ما.
أنثروبولوجيا الرجل الذي يملك مشروعاً
هذا الرجل لا يعمل، بل يُحضر لشيء ضخم. في كل شهر، لديه فكرة ستغير الشرق الأوسط: مطعم غريب، تطبيق جديد، منصة إلكترونية، شركة شحن، مشروع سياحي، أو شركة غامضة لا يفهمها أحد.
يقضي سنوات في المقاهي يشرح للناس لماذا سيفشل الجميع لأنّهم «لا يفكرون خارج الصندوق». لكن مشروعه الخاص لا يبدأ أبداً.
من يدري، ربما لأنّ جزءاً كبيراً من الثقافة اللبنانية الحديثة قائم على حب صورة النجاح، أكثر من النجاح نفسه.
أنثروبولوجيا الضابط المتقاعد
ثم هناك الكائن الأكثر درامية في المشهد اللبناني: الضابط المتقاعد. يجلس في المقهى بظهر مستقيم ونظرة ثقيلة، لكأنّ حرباً عالمية ثالثة انتهت قبل قليل بفضله الشخصي.
يبدأ كل جملة تقريباً بـ «أيام الخدمة»، ثم يروي قصصاً عن عمليات أمنية غامضة، وقرارات مصيرية، وأحداث لا يستطيع كشف تفاصيلها.
يتحدث عن نفسه كما لو أنه حرر برلين سنة ١٩٤٥، أو سيطرة على بكين مع ماو تسي تونغ. بينما الحقيقة أنّه أمضى معظم خدمته بين مكتب إداري، وحراسة ثكنة، وانتظار نهاية الدوام للحصول على راتب ثابت وضمان صحي ومكانة اجتماعية محترمة.
هو يريدك أن تصدق أنّه عاش حياة خطرة جداً. لهذا يتحدث دائماً بنبرة منخفضة وغامضة، لكأنّ هناك ملفات سرية لا تزال تلاحقه.
ربما تبدو هذه الشخصيات مضحكة، لكنها موجودة في كل مقهى. إنّها أعراض مجتمع كامل يعيش منذ عقود داخل عدم الاستقرار. في مثل هذا المكان، يصبح التظاهر بالمعرفة نوعاً من الحماية النفسية. وتصبح العلاقات الشخصية بديلاً عن القانون. وتتحول المؤامرة إلى تفسير مريح للفوضى. ويتحول الحزب إلى هوية، والبطولات الوهمية إلى تعويض عن شعور جماعي بالعجز. أما الحقيقة الوحيدة المشتركة بين جميع زوار المقهى هؤلاء، فهي أنّ أحداً منهم لا يعرف فعلاً إلى أين يسير هو أو إلى أين تسير البلاد.

