الخامنئي، سليمان بن صرد والإنتحار
الخامنئي، سليمان بن صرد والإنتحار
من يدخل المعركة وميزانها مختل، لا يغيّر النتيجة بالشعارات وصدق النوايا، وفي السياسة كما في الحرب، أحياناً يكون العناد فضيلة، وأحياناً أخرى يكون الإسم الآخر للإنتحار.
ثمة لحظات في التاريخ لا يكون فيها القرار مجرد خيار سياسي، بل قفزاً واعياً إلى الهاوية. اليوم، فيما تتعثر المفاوضات بين طهران وواشنطن، يتكاثف المشهد العسكري بمئات الطائرات الأميركية التي تصل إلى المنطقة، وبحاملة طائرات ثانية ترسو كجبل عائم من الفولاذ، فيما تتصاعد التهديدات المتبادلة بلا مواربة.
في العلن، تقول إيران إنّها لن تتخلى عن برنامجها النووي، ولا عن صواريخها البالستية، ولا عن شبكات نفوذها الإقليمية. وفي العلن أيضاً، تلوّح واشنطن بحرب قاسية ومدمِرة. بين العنادين، لا يبدو المشهد مفاوضات بقدر ما يبدو سباقاً إلى حافة الحرب.
هذا المشهد يعيد إلى الذاكرة سيرة سليمان بن صرد الخزاعي، أحد الصحابة الذين عاشوا في مدينة الكوفة بعد مقتل الحسين بن علي في كربلاء. كان الرجل قد راسل الحسين داعياً إياه إلى القدوم للكوفة، ثم عجز وأنصاره عن نصرته ساعة الإمتحان. تحوّل الندم إلى عقيدة، والعقيدة إلى مشروع قتال. لم يكن مشروع دولة، بل مشروع تكفير عن الذنوب.
خرج سليمان إلى القتال وكان قد ناهز التسعين من عمره، شيخاً يجر وراءه تاريخاً من الندم أكثر مما يجر سيفاً. إلتف حوله حوالى ثلاث آلاف من أهل الكوفة الذين سمّوا أنفسهم «التوابين» (أي تابوا لأنّهم لم ينصروا الحسين) ولم يكن معهم أي ثقل سياسي أو أي غطاء قبلي واسع، بل دافع أخلاقي مشحون بالشعور بالذنب.
توجهوا شمالًا إلى منطقة عين الوردة (قرب الرقة في سوريا)، حيث واجهوا جيش الدولة الأموية بقيادة عبيد الله بن زياد (المسؤول المباشر عن قتل الحسين)، الذي كان يملك جيشاً من 12 ألف رجل وهو جيش أفضل تنظيماً وخبرة. ميزان القوى لم يكن سراً. كان ظاهراً لكل من يُحصي الرجال قبل أن يُحصي الشعارات. انتهت المعركة بمقتل سليمان ومعظم جيشه بثلاثة أيام، وتبدد مشروع التوبة في رمال الشام.
لم تكن المشكلة في صدق الدافع، بل في الفرق بالقدرة. في عين الوردة، تقدمت العاطفة على الحساب المنطقي. تقدّم منطق التكفير عن الذنوب على منطق السياسة. أما النتيجة، جاءت كما يتوقعها كل عاقل وكل من يقرأ الوقائع لا النوايا.
اليوم، تبدو إيران في مشهد يذكّر بتلك اللحظة. قيادة متقدمة في السن يسود عليها علي خامنئي، ويخوض مواجهة مفتوحة مع قوة عظمى، تحت عنوان الكرامة والسيادة ورفض الإملاءات. خطاب تعبوي، تحدٍ معلن، وإصرار على المضي في مشروع نووي وصاروخي وإقليمي، في مقابل حشد عسكري غير مسبوق في الجهة الأخرى.
المفارقة أنّ سليمان بن صرد خرج وهو يعلم، في قرارة نفسه على الأرجح، أنّ المعركة لم تكن معركة نصر عسكري بل معركة خلاص معنوي. أما الدول، فحين تدخل مواجهة بهذا الحجم، لا يكون الثمن معنوياً فقط، بل يكون اقتصادياً، وعسكرياً، وربما وجودياً.
في الحالتين، هناك رهان على الإرادة في مواجهة ميزان القوة. وهناك اعتقاد بأنّ الصمود بحد ذاته انتصار، واعتقاد ساذج بأنّ الصدق وحسن النوايا يكفي لربح الحرب. لكن التاريخ قلما يُجامل من يسيء قراءة اللحظة. فالإرادة، مهما بلغت، لا تُسقط طائرة، ولا تعطل حاملة، ولا تغيّر فجأة معادلات السماء.
كما في عين الوردة، قد يخرج البعض مقتنعاً أنّ رمي النفس بالهاوية أفضل من التسوية. لكن الفرق بين حركة خرجت لتكفّر عن خطيئة وانتهت بأيام معدودة، ودولة تقرر أن تمتحن العالم بقرارها، هو فرق الزمن والكلفة لا فرق المنطق.
التاريخ يعيد نفسه دوماً بطريقة هزلية، فمن يدخل المعركة وميزانها مختل، لا يغيّر النتيجة بالشعارات وصدق النوايا، بل يُسرّع الوصول إليها. وفي السياسة كما في الحرب، أحياناً يكون العناد فضيلة، وأحياناً أخرى يكون الإسم الآخر للإنتحار.

