براءة الأطفال.. هل ما زالت موجودة ؟
براءة الأطفال.. هل ما زالت موجودة ؟
فقدان براءة الأطفال ليس نتيجة شاشة فحسب، بل نتيجة منظومة قيم تتبدل بصمت. حين تنقطع العلاقة بين الأجيال، ويُستبدل الدفء الأسري بثقافة الإستعراض، ويتحوّل النجاح إلى أرقام، ينمو طفل متعجل في عمره، قلق في داخله، باحث عن قبول لا يشبع.
البراءة تعني أن يرى الطفل العالم مساحة للإكتشاف لا ساحة للمقارنة، وأن يعيش اللحظة دون حسابات الصورة والإنطباع. هي الضحكة العفوية، والخيال الذي لا تحدّه حدود، والإيمان بأنّ العلاقات آمنة.
قبل الذهاب إلى المدرسة هذا السلوك اليومي الصامت الذي يتبعه الملايين صباحاً منذ مئات السنين لم يعد نشاطاً شخصياً عادياً، بل مشهداً موجهاً للكاميرا، إلى الحديث عن البراندات والمكياج والأركيلة، باتت الطفولة تتحول إلى استعراض دائم، وحسابات رقمية، وسباق مستمر وراء الإعجابات والمتابعين وسباق لا ينتهي نحو الشهرة المبكرة. ولم يعد الأمر مجرد استخدام للتكنولوجيا، بل تحوّل ثقافي عميق نقلنا تدريجياً من ثقافة «نحن» القائمة على الروابط والإنتماء وإيقاع النضج التراكمي، إلى ثقافة «الأنا» التي تمجّد الظهور والفردية المفرطة، حتى أصبح المحتوى السريع والمبسّط، وأحياناً التافه لأغراض تسويقية، مرجعاً أساسياً في تشكيل وعي الأطفال وتصوراتهم عن العالم. فيُشوّه مفهوم النجاح، فلا يعود مرتبطاً بالإجتهاد أو الأخلاق أو الإبداع الحقيقي، بل بعدد المتابعين وحجم الظهور. تنمو لدى الطفل رغبة مرضية في حبّ الظهور، ويتكرّس تنميط آلي للشخصيات، فتذوب الخصوصية التي تميّز كل فرد، ويصبح التفرّد مجرد قالب جاهز.
طفولة على الشاشة.. الإستعراض بدل اللعب
الدراسات الحديثة تشير إلى أنّ الأطفال الذين يقضون أكثر من ساعتين يومياً أمام الشاشات الرقمية، معرضون بنسبة 30٪ أكثر لتدهور مهارات الإبداع والخيال مقارنة بالأطفال الذين يمارسون اللعب الواقعي والتفاعل مع غيرهم. كما أنّ الأطفال الذين يقلدون محتوى المؤثرين بشكل مستمر يبدأون في فقدان القدرة على التفكير النقدي والإبتكار وتطوير مهاراتهم وشخصيتهم المستقلة. والناتج، فقدان البراءة، تسرع في النضج، وطفولة تقاس بعدد المتابعين والإعجابات بدل المرح والخيال الحر.
من أبرز المخاطر هو التعرّض المبكر لمحتوى غير مناسب لأعمار الأطفال. العنف، المحتوى الجنسي، والعلاقات المعقدة أصبحت متاحة بسهولة بفضل الخوارزميات التي تروج للمحتوى الشائع بغض النظر عن العمر.
هذا التعرّض المبكر يجبر الأطفال على التعامل مع أسئلة وسلوكيات لا يملكون النضج العاطفي والفكري للتعامل معها، مما يسلبهم جوهر الطفولة ويترك أثراً نفسياً طويل الأمد، بما في ذلك القلق، وانعدام الأمان، وانخفاض تقدير الذات.
التنمّر الإلكتروني والضغط النفسي
بالإضافة إلى ذلك، تضغط وسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال من خلال المقارنات المستمرة مع حياة منسقة بعناية تُعرض على الإنترنت. هذا يخلق شعوراً مستمراً بالنقص، ويستبدل المرح الطفولي بالقلق المستمر، ويحوّل البراءة إلى هوس بالصورة والمظاهر، كما هو واضح في آلاف الحسابات للأطفال تحت الخامسة عشر الذين يسعون لشهرة رقمية مبكرة.
خطوات دولية لحماية الأطفال
لمواجهة هذه الظاهرة، بدأت بعض الدول تتخذ خطوات جادة. في فرنسا، هناك توجه نحو حظر أو تقييد استخدام وسائل التواصل للأطفال دون سن 13 عاماً، مع فرض عقوبات على المنصات التي تسمح للأطفال بالتسجيل دون رقابة. الهدف هو حماية الأطفال من التنمّر، والإدمان، والمحتوى الضار.
لكن القوانين وحدها لا تكفي؛ الرقابة الأبوية، التوجيه، والوعي الأسري هي أدوات أساسية لحماية الأطفال. فالأطفال يحتاجون إلى الحدود، والتوجيه، والدعم النفسي للتعامل مع العالم الرقمي.
دور الأسرة في حماية البراءة

