براءة الأطفال.. هل ما زالت موجودة ؟

براءة الأطفال.. هل ما زالت موجودة ؟

  • ٢٢ شباط ٢٠٢٦
  • تيريزا كرم

فقدان براءة الأطفال ليس نتيجة شاشة فحسب، بل نتيجة منظومة قيم تتبدل بصمت. حين تنقطع العلاقة بين الأجيال، ويُستبدل الدفء الأسري بثقافة الإستعراض، ويتحوّل النجاح إلى أرقام، ينمو طفل متعجل في عمره، قلق في داخله، باحث عن قبول لا يشبع.

 
إنّ براءة الأطفال ليست سذاجة ولا جهلاً بالحياة، بل صفاء داخلي يجعلهم ينظرون إلى العالم بفضول وثقة وبساطة. هي تلك القدرة على الفرح دون تعقيد، وعلى التعبير عن المشاعر بصدق، وعلى طرح الأسئلة دون خوف من الأحكام.

البراءة تعني أن يرى الطفل العالم مساحة للإكتشاف لا ساحة للمقارنة، وأن يعيش اللحظة دون حسابات الصورة والإنطباع. هي الضحكة العفوية، والخيال الذي لا تحدّه حدود، والإيمان بأنّ العلاقات آمنة.

في عالم متسارع الإيقاع، لم يعد التحدي الذي يواجه الطفولة  مجرد  تطوّر تكنولوجي عابر، بل تحوّل عميق في بنية القيم ومفاهيم النمو الطبيعي  البريء لشخصية الطفل.  إذ إنّ آلاف الأطفال تحت سن الخامسة عشر أصبحوا نجوماً رقميين، يحصدون ملايين المتابعين على منصات التواصل  الإجتماعي، بينما لحظات طفولتهم تختفي شيئاً فشيئاً أمام أعيننا. من مقاطع «إستعدوا معي» أو «جهزوا حالكم معي»
«Get Ready With Me»  

 قبل الذهاب إلى المدرسة هذا السلوك اليومي الصامت الذي يتبعه الملايين صباحاً منذ مئات السنين لم يعد نشاطاً شخصياً عادياً، بل مشهداً موجهاً للكاميرا، إلى الحديث عن البراندات والمكياج والأركيلة، باتت الطفولة تتحول إلى استعراض دائم، وحسابات رقمية، وسباق مستمر وراء الإعجابات والمتابعين وسباق لا ينتهي نحو الشهرة المبكرة.  ولم يعد الأمر مجرد استخدام للتكنولوجيا، بل تحوّل ثقافي عميق نقلنا تدريجياً من ثقافة «نحن» القائمة على الروابط والإنتماء وإيقاع النضج التراكمي، إلى ثقافة «الأنا» التي تمجّد الظهور والفردية المفرطة، حتى أصبح المحتوى السريع والمبسّط، وأحياناً التافه لأغراض تسويقية، مرجعاً أساسياً في تشكيل وعي الأطفال وتصوراتهم عن العالم. فيُشوّه مفهوم النجاح، فلا يعود مرتبطاً بالإجتهاد أو الأخلاق أو الإبداع الحقيقي، بل بعدد المتابعين وحجم الظهور. تنمو لدى الطفل رغبة مرضية في حبّ الظهور، ويتكرّس تنميط آلي للشخصيات، فتذوب الخصوصية التي تميّز كل فرد، ويصبح التفرّد مجرد قالب جاهز.

طفولة على الشاشة.. الإستعراض بدل اللعب

إذا سلمنا أنّ اللعب لغة الطفل الأولى، يمنحه تجربة حسية كاملة، يلمس، يشم، يسمع، ويتفاعل. أما اللعب الرقمي فغالباً ما يكون محدوداً ضمن إطار بصري سريع الإيقاع، يقلل من مساحة الخيال الحر ويضع الطفل داخل سيناريوهات جاهزة.
وحلّت المنصات الرقمية معلماً صامتاً يفرض عليه أن يقلّد، ويكرّر، ويطابق. الرقصات نفسها، العبارات نفسها، التحديات نفسها، حتى الضحكة أصبحت قابلة للإستنساج.

الدراسات الحديثة تشير إلى أنّ الأطفال الذين يقضون أكثر من ساعتين يومياً أمام الشاشات الرقمية، معرضون بنسبة 30٪ أكثر لتدهور مهارات الإبداع والخيال مقارنة بالأطفال الذين يمارسون اللعب الواقعي والتفاعل مع غيرهم. كما أنّ الأطفال الذين يقلدون محتوى المؤثرين بشكل مستمر يبدأون في فقدان القدرة على التفكير النقدي والإبتكار وتطوير مهاراتهم وشخصيتهم المستقلة. والناتج، فقدان البراءة، تسرع في النضج، وطفولة تقاس بعدد المتابعين والإعجابات بدل المرح والخيال الحر.

من أبرز المخاطر هو التعرّض المبكر لمحتوى غير مناسب لأعمار الأطفال. العنف، المحتوى الجنسي، والعلاقات المعقدة أصبحت متاحة بسهولة بفضل الخوارزميات التي تروج للمحتوى الشائع بغض النظر عن العمر.

وفق دراسة أجرتها «اليونيسيف» عام 2022، أكثر من 40٪ من الأطفال بين 10 و14 عاماً تعرضوا لمحتوى رقمي يحتوي على مشاهد عنف أو مواضيع للبالغين، معظمها عبر وسائل التواصل الاجتماعي وليس التلفزيون أو الكتب كما في الماضي.

هذا التعرّض المبكر يجبر الأطفال على التعامل مع أسئلة وسلوكيات لا يملكون النضج العاطفي والفكري للتعامل معها، مما يسلبهم جوهر الطفولة ويترك أثراً نفسياً طويل الأمد، بما في ذلك القلق، وانعدام الأمان، وانخفاض تقدير الذات.

التنمّر الإلكتروني والضغط النفسي

التنمّر الإلكتروني هو جانب مظلم آخر لوسائل التواصل الاجتماعي يؤثر بشكل كبير على الأطفال. الهوية المجهولة والمسافة التي يوفرها الإنترنت تمنح المتنمّرين الجرأة، مما يجعل الطفل عرضة للمضايقات في كل مكان، حتى في المنزل، المفترض أن يكون ملاذاً آمناً.
بحسب دراسة أجرتها «جمعية الإنترنت الآمنة للأطفال» في أوروبا، حوالي 25٪ من الأطفال الذين يستخدمون منصات التواصل الإجتماعي تعرضوا للتنمّر الرقمي، وثلث هؤلاء الأطفال أظهروا علامات القلق والإكتئاب.

بالإضافة إلى ذلك، تضغط وسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال من خلال المقارنات المستمرة مع حياة منسقة بعناية تُعرض على الإنترنت. هذا يخلق شعوراً مستمراً بالنقص، ويستبدل المرح الطفولي بالقلق المستمر، ويحوّل البراءة إلى هوس بالصورة والمظاهر، كما هو واضح في آلاف الحسابات للأطفال تحت الخامسة عشر الذين يسعون لشهرة رقمية مبكرة.

خطوات دولية لحماية الأطفال

لمواجهة هذه الظاهرة، بدأت بعض الدول تتخذ خطوات جادة. في فرنسا، هناك توجه نحو حظر أو تقييد استخدام وسائل التواصل للأطفال دون سن 13 عاماً، مع فرض عقوبات على المنصات التي تسمح للأطفال بالتسجيل دون رقابة. الهدف هو حماية الأطفال من التنمّر، والإدمان، والمحتوى الضار.

دول أخرى مثل أستراليا والدنمارك وضعت سياسات مشدّدة حول حماية الأطفال الرقميين، بما في ذلك برامج توعية للآباء، وحدود زمنية لاستخدام التطبيقات، وأنظمة رقابية تساعد على الحد من التعرّض للمحتوى غير المناسب.

لكن القوانين وحدها لا تكفي؛ الرقابة الأبوية، التوجيه، والوعي الأسري هي أدوات أساسية لحماية الأطفال. فالأطفال يحتاجون إلى الحدود، والتوجيه، والدعم النفسي للتعامل مع العالم الرقمي.

دور الأسرة في حماية البراءة

كانت العائلة تجتمع حول مائدة الطعام؛ الحديث يمتدّ، والقصص تُروى، والضحكات تتقاطع. اليوم، في كثير من البيوت، يجلس أفراد الأسرة على المائدة نفسها، لكن كلّ منهم غارق في شاشته. حضور جسدي يقابله غياب معنوي. هذا الإنعزال الصامت يعمّق الفجوة بين الأجيال، ويُضعف الروابط التي كانت تشكّل درعاً نفسياً للأطفال.
وبدل تسليم  الأطفال للشاشات، إنّ العناية تبدأ بتعليمهم كيفية التعرف على المحتوى الضار، واستخدام إعدادات الخصوصية، والتصرّف عند مواجهة تنمّر أو محتوى غير مناسب. كما يجب تشجيع الأطفال وبمشاركة الأهل أو مع أترابهم على ممارسة أنشطة خارج الإنترنت كالرياضة والفنون والقراءة لتقوية الإبداع والخيال وتقليل الاعتماد على الشاشات. إنّ القدوة الأسرية هي المعيار؛ الأطفال يراقبون سلوكيات آبائهم على الإنترنت ويتعلمون منها، لذا يجب أن يكون التفاعل الرقمي نموذجاً صحياً.
حماية الطفولة لا تعني منع التكنولوجيا، بل إعادة ضبط البوصلة، من «الأنا» إلى «النحن»، من الظهور إلى الجوهر، من الإستهلاك إلى المعنى، ومن العزلة الرقمية إلى الروابط الإنسانية الحقيقية.