عاد الحريري من حيث أتى.. وخطاب رمادي في زمن الأبيض والأسود

عاد الحريري من حيث أتى.. وخطاب رمادي في زمن الأبيض والأسود

  • ٢٠ شباط ٢٠٢٦
  • أنطوني سعد

إلى اللقاء، شيخ سعد، ربما في عام 2027 في ساحة الشهداء. على أمل أن تكون الحسابات قد تغيّرت، وأن يكون المشروع قد توضّح، قبل أن تسبقك الظروف مرة أخرى.

عاد رئيس الحكومة السابق سعد الحريري من حيث أتى، وأطلق خطابًا وُصف بالرمادي في مرحلة لم تعد تحتمل أنصاف المواقف. فالمعادلة اليوم، إقليميًا ومحليًا، لم تعد تقبل التدرّج: إما تموضع واضح، أو خروج من المشهد. أما الرمادي، فلم يعد يُسمع صداه في العواصم المؤثرة، وعلى رأسها الرياض.

الخطاب لم يحمل إعتذارًا صريحًا عن الخيارات التي اتخذها منذ تسويته مع ميشال عون عام 2016، حين انقلب المشهد السياسي رأسًا على عقب، وانتقل الحريري من تموضعه التقليدي إلى مقاربة مختلفة فتحت الباب أمام تقاطعات أربكت بيئته. كما أنّ التفاهم الذي جمع نادر الحريري بـجبران باسيل شكّل، في نظر كثيرين، نقطة تحوّل ساهمت في تقويض الرؤية السياسية التي قامت عليها الحريرية منذ اغتيال رفيق الحريري.

شدّد الحريري على «العمق العربي»، لكنه لم يذكر المملكة العربية السعودية بالإسم ولو مرة واحدة، رغم أنّها الجهة الأساسية التي يرتبط بها مستقبله السياسي. كما تحدّث عن حصر السلاح بيد الدولة، من دون أن يسمّي حزب الله مباشرة، مع أنّ هذا الملف يُعدّ من أكثر القضايا حساسية داخل الشارع السني بعد السنوات الماضية من الصدامات والتوترات.

قال إنّه سيزور سوريا، لكنه لم يبايع الرئيس أحمد الشرع، الذي يُنظر إليه كعنوان المرحلة الجديدة لدى السعوديين، وهو الموقع الذي كان يشغله والده في مرحلة سابقة من العلاقات الإقليمية.

 

الأهم أنّ الخطاب لم يتضمّن مراجعة سياسية واضحة، ولا قراءة نقدية للرهانات التي سقطت، ولا اعتذارًا صريحًا عن الخيارات التي أدت إلى هذا الإنكفاء الطويل. حاول أن يفتح بابًا مع السعودية، لكن من دون أن يوسّع نافذته باتجاه حلفائها في الداخل: لم يصالح القوات اللبنانية، ولم يذهب إلى مواجهة مباشرة مع العونيين. خطاب فتح نصف الباب، ونصف المواقف لا تُحدث فرقًا في لحظة مفصلية.

في المحصلة، يبدو أنّ الحريري رحل كما في كل عام، من دون أن ينال الضوء الأخضر للعودة الفعلية إلى الحياة السياسية. حضوره بقي أقرب إلى زوبعة في فنجان، تُحرّك المشهد أيامًا ثم تخبو.

إلى اللقاء، شيخ سعد، ربما في عام 2027 في ساحة الشهداء. على أمل أن تكون الحسابات قد تغيّرت، وأن يكون المشروع قد توضّح، قبل أن تسبقك الظروف مرة أخرى.