بالفيديو: شبلي أبو عاصي.. مواطن بيئي في زمن الإستهلاك

بالفيديو: شبلي أبو عاصي.. مواطن بيئي في زمن الإستهلاك

  • ٢٢ شباط ٢٠٢٦
  • إلياس معلوف

هنا نعيش الحياة الحقيقية. منذ خمس سنوات لم أمرض، ولم أتناول دواء ولم أشعر بصداع. يومي يبدأ بالمشي في الطبيعة.

في زمن تزداد فيه وتيرة تهشيم المشهد الطبيعي في لبنان، وتتسارع الفيروسات المستجدة، والعنف، والتشتت الذهني،  وتعلو ثقافة الإستهلاك على ما عداها، ، تبدو بعض المبادرات الفردية كأنّها مزاج شخصي. غير أنّها في العمق تعكس فهماً مختلفاً لمعنى الحياة. هكذا تبدو تجربة شبلي أبو عاصي في معاصر الشوف، ليست إنسحاباً من العالم، بل إقتراحاً أكثر عمقاً لعلاقة أخرى مع الأرض، علاقة تقوم على الحراسة بما تعنيه من حماية وعناية وحفظ.

في مزرعته في معاصر الشوف عند سفوح محمية أرز الشوف، يقدّم أبو عاصي نفسه ببساطة كمواطن بيئيّ يصافح الأرض بود  يومياً، ويقيم شراكة مع الكائنات من حوله بدل إخضاعها. لم يحقّق حلم طفولته فحسب، بل أكمل ما بدأه والده يوم وضع اللبنة الأولى لمشروع الإكتفاء الذاتي، من خزّان تجميع مياه الأمطار، إلى حديقة المزروعات العضوية، والأراضي المزروعة بأشجار الفاكهة، وصولاً إلى حيوانات المزرعة.

يقول: «أنا شبلي أبو عاصي من معاصر الشوف. من زمان كان عندي حلم، وهذا الحلم هو الذي ترونه اليوم. الإكتفاء الذاتي الذي كان في الأساس حلم والدي، وهو الذي حبّبنا بالطبيعة وبالأرض وبكل ما نقوم به الآن.

هنا نعيش الحياة الحقيقية. كل ما عدا ذلك أشعر أنّه غير حقيقي. هنا نتعرّف إلى الطبيعة، إلى الحيوانات وتفاصيلها». اختار أبو عاصي نمطاً بديلاً يقوم على الصحة المتأتية من العيش في الطبيعة والتعلّم منها، بعيداً عن الضجيج والتلوث الذهني والبصري. يضيف «كل شيء هو تعلّم دائم. منذ خمس سنوات وأنا أمضي كل وقتي هنا. لا أتناول دواء، ولا أشعر بصداع. كل صباح أبدأ يومي بالمشي في الطبيعة»

ليست كلماته تمجيداً للرومانسية الريفية، بل توصيفاً لتحوّل داخلي. حين ربّى الحيوانات، تراجع لديه معنى الإمتلاك، وتقدّم معنى الألفة؛ لذلك اختار الطعام النباتي، لأنّ العلاقة التي تُبنى على الرعاية يصعب أن تنقلب افتراساً. يقول: «كنت نباتياً طوال في هذه الفترة. لم تعد تخطر في بالي فكرة أكل اللحوم، لأنّك عندما تربي الحيوانات وتهتم بها، لا يعود بإمكانك التفكير في أكلها، تتعلّق بها، وتحبها بشغف»

يخبر أنّه خلال بحثه عن حمير لمزرعته، صُدم بحالات تعنيف وتشوهات بسبب الضرب والأحمال الزائدة. من هنا، تحوّلت المزرعة أيضاً إلى ملجأ لكائن لطالما أُلصقت به صورة التحقير، رغم دوره التاريخي في خدمة البشر، في النقل والزراعة والتجارة.  في المزرعة الحمير  تستعيد مكانتها فيمنحها مساحات للجري والتعرّض للشمس، ويعتني بطعامها ونظافة مساكنها، فتبادله الحليب الذي يُعدّ من الأغلى في العالم، ويُستخدم لتحصين المناعة وصناعة الصابون الطبيعي.

الزوار من كل الأعمار ومن بينهم تلاميذ المدارس لا يعيشون تجربة سياحية، بل يختبرون إيقاعاً مختلفاً للوقت؛ صناعة صابون حليب الحمير، تقطير الخزامى، تحضير المونة، قطف الفاكهة على ظهر الحمار، وتناول غداء بيئي بين الأشجار. هنا، لا تُختزل التنمية الريفية في مشروع اقتصادي، بل تصبح أسلوب حياة يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان ومحيطه.

في هذا الإطار يذكر بالقول  «الأرض كانت من قبلنا وأُعطيت لنا لنرعاها» فالبيئة، في منطق الإستقبال، قرض يتلقّاه كل جيل ليسلّمه إلى الذي يليه. وبدل أن يكون الإنسان في صراع عنيف  مع الطبيعة، يقترح شبلي أبو عاصي معنى آخر؛ أن تكون العلاقة حراسة لا هيمنة، وشراكة لا استنزافاً، وحكمة تُصغي إلى الأرض قبل أن تتكلم باسمها.