أحمد الحريري... Freelancer موسمي

أحمد الحريري... Freelancer موسمي

  • ١٢ شباط ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

الإستمرار في لعب دور «الموظف الموسمي» في «تيار المستقبل»، من دون قرار، ومن دون أفق، فليس سياسة، بل استهزاء بجمهور ملّ من الانتظار، وتعب من خداعه مراراً.

ككل سنة، وقبل 14 شباط بقليل، يظهر أحمد الحريري فجأة في المشهد اللبناني. لا يأتي بوصفه أميناً عاماً لتيار سياسي حيّ، بل كموظّف موسمي، يعمل بنظام «freelance»لأسبوع واحد في السنة.

مهمة الرجل محددة وواضحة: شدّ العصب، زيارة المناطق، التقاط الصور، ترداد عبارات فضفاضة عن «العودة» و «القرار» و «المرحلة المقبلة»، ثم المغادرة بهدوء، بانتظار الموسم التالي.

 

السيناريو بات محفوظاً. أحمد يسبق سعد. يمهد له. يختبر المياه. يزور القواعد التي أنهكها الغياب، ويحادث جمهوراً يعيش منذ سنوات على الوعود المؤجلة. ثم يصل سعد الحريري، يتكلم كثيراً من دون أن يقول شيئاً حاسماً، يلوّح ولا يقرر، ويعود أدراجه إلى منفاه الإختياري، تاركاً خلفه فراغاً أكبر وأسئلة أكثر.

هذه السنة، يحاول أحمد الحريري تكرار الدور نفسه، لكن مع إضافة بهارات جديدة. فجأة، تنتشر أخبار عن احتمال خوض «تيار المستقبل» الإنتخابات النيابية المقبلة. احتمال ضعيف، غير مرجَّح، لكنه يُستخدم كطُعم سياسي للجمهور المتعطِش للماضي القريب. يكفي أن يُقال إنّ «المستقبل قد يشارك»، حتى يتحرك جمهور بأكمله على أمل أنّ شيئاً ما سيتغير.

غير أنّ المشهد هذه المرة لم يكتمل كما يشتهي أحمد. السعودية، عبر قناتي «الحدث» و «العربية»، اختارت أن تقول كلمتها، وبوضوح غير معهود. معلومات تُسرَّب، على الأرجح دقيقة، عن علاقة أحمد الحريري بـ«حزب الله». ليست فضيحة بالمعنى التقليدي، ولا سبقاً صحافياً مدوياً، بل رسالة سياسية مباشرة تقول إنّ الرياض غير راضية، لا عن أحمد، ولا عن هذا الدور الرمادي الذي يحاول لعبه، ولا عن أي عودة غير منضبطة لسعد الحريري إلى لبنان.

أما وإن كان خيار أحمد الحريري الحقيقي هو فتح قنوات أو نسج علاقة مع «حزب الله»، فليقُل ذلك صراحة. السياسة لا تُمارس بالهمس ولا بالتسريبات ولا بالإختباء خلف إسم العائلة أو الإرث القديم. «تيار المستقبل»، منذ نشأته، قام على خط سياسي واضح، اختلفنا معه أو اتفقنا، لكنه لم يكن يوماً ملتبس الهوية. التحالف مع «حزب الله» ليس تفصيلاً تكتيكياً، بل إنقلاب كامل على ما تبقى من هوية التيار وجمهوره، وخصوصاً على وجدان السنّة الذين لا يزالون، رغم كل الخيبات، يبحثون عن معنى سياسي لغياب سعد الحريري، وعن تعويض لا يجدوه في أحد.

أما إذا لم يكن هذا الخيار حقيقياً، وإذا كانت العلاقة المزعومة مجرد محاولة للعب على التناقضات، فالمصيبة أكبر. عندها، يصبح أحمد الحريري مجرد مدير علاقات عامة فاشل، يحاول إرضاء الجميع ولا ينجح إلا في استفزازهم جميعاً.

المشكلة الأساسية، في الواقع، ليست فقط في الخيارات، بل في الوجود ذاته. ما الذي يمثله أحمد الحريري اليوم؟ أي تفويض يملكه؟ أي شرعية سياسية، غير كونه إبن العائلة، تخوّله أن يتحدث باسم جمهور كامل، أو أن يبيعهم وهماً جديداً كل شباط؟ الرجل لا يقود تياراً، بل يدير ذكرى. لا يخوض سياسة، بل ينظم طقوساً سنوية، تنتهي دائماً بالصورة التذكارية نفسها عبر وعود معلّقة، وعودة مؤجلة، وناس تُترك للخيبة.

سعد الحريري نفسه يبدو، في هذا المشهد، أقل اندفاعاً وأكثر حذراً. الرجل اختار الإنسحاب بدل الاستمرار في لعبة لا يريدها. لكنه، بصمته وتردده، يسمح لهذا الفراغ أن يُملأ بأدوار من هذا النوع، وبنسخ باهتة تحاول أن تعيش على اسمه من دون أن تمتلك قراره.

أما رفيق الحريري، فخارج هذا كله. إسمه يُستحضَر كل سنة، لا كزعيم سياسي فقط، بل كرمز محترم ومهم لمرحلة انتهت، بكل ما لها وما عليها. استخدام إرثه لتبرير هذا العبث السياسي لا يسيء إليه فقط، بل إلى جمهوره ومن يُفعل ذلك باسمه أيضاً.

في الزاوية نفسها، يلوّح إسم بهاء الحريري، الأخ الذي ينوي بدوره خوض الإنتخابات على سبيل الهواية. تجربة أخرى، مختلفة في الشكل، لكنها مرشحة للنتيجة نفسها، لا قاعدة، لا مزاج شعبي، ولا قدرة حقيقية على إحداث أي خرق يُذكر.

ربما آن الأوان لأن يقوم أحمد الحريري بخطوة واحدة صادقة. إن كان يريد ممارسة السياسة، فليؤسس حزباً جديداً، باسمه، بخياراته، وبمسؤوليته الكاملة. حزب يخوض الإنتخابات، يتحالف أو يعارض، يربح أو يخسر. أما الإستمرار في لعب دور «الموظف الموسمي» في «تيار المستقبل»، من دون قرار، ومن دون أفق، فليس سياسة، بل استهزاء بجمهور ملّ من الانتظار، وتعب من خداعه مراراً.