دليلك للفوز في الإنتخابات: عزِّ، إدفع، تحالف
دليلك للفوز في الإنتخابات: عزِّ، إدفع، تحالف
في لبنان، يتحالف الناس أولاً، ثم يسألون لاحقاً: لماذا تحالفنا؟ البرنامج يأتي دائماً متأخراً، إن أتى. تُجمع الأصوات من هنا وهناك، تُركّب اللوائح كما تُركّب التسويات، ويُطلب من الناخب أن يثق بأنّ التناقضات ستُحَل بعد الإنتخابات.
لبنان ليس أوروبا، ولا ضرورة لادعاء ذلك. هنا، لا تبدأ المعركة الإنتخابية ببرنامج أو فكرة، بل لها طقوسها المتكاملة. الإنتخابات حلقة مغلقة، موسم دوري له قواعده غير المكتوبة، يعرفها المرشحون عن ظهر قلب، ويكررونها بإخلاص يفوق أي إلتزام تشريعي أو سياسي. ومن يريد الفوز، لا يحتاج الكثير من الذكاء السياسي ولا رؤية كبرى، بل دليلاً عملياً بسيطاً: ماذا يجب عليك أيّها المرشح أن تفعل كي تفوز؟
أولاً، عليك أن تتحرك. لا سياسياً، بل جسدياً. كثرة الزيارات شرط أساسي، لا لعرض الأفكار بل لإثبات الوجود. بيت عزاء، مستشفى، زفاف، قداس، إفطار، مأتم، مناسبة بلا مناسبة. المهم أن يراك الناس. في لبنان، السياسة تبدأ من صورة، ومن مصافحة وثلاث قُبل على الخدين، ومن جملة محفوظة تُقال أمام نعش أو على باب كنيسة. المرشح الناجح هو من يعرف كيف يحوّل التعزية إلى نشاط إنتخابي، والوقوف الصامت في صالون كنيسة إلى رصيد أصوات. لا أحد يسأل ماذا قال، المهم أنّه حضر.
ثانياً، المال. ليس كتمويل حملة، بل كأداة إقناع. الرشوة في لبنان ليست خرقاً فاضحاً بقدر ما هي عُرف إجتماعي مُقنّع. «مساعدة»، «بدل نقل»، «دعم ظرفي»... الفائز ليس من يملك خطاباً مقنِعاً، بل من يملك سيولة كافية لتغطية موسم الإنتخابات. هنا لا تُشترى الأصوات فقط، بل تُستعاد كرامة إنتخابية مفقودة، ولو ليوم واحد. وفي نظام كهذا، يصبح السؤال الأخلاقي ترفاً، ويُختصر الفوز بحساب مصرفي لا بخطة عمل.
ثالثاً، التحالف. لا من أجل مشروع، بل من أجل الفوز. في لبنان، يتحالف الناس أولاً، ثم يسألون لاحقاً: لماذا تحالفنا؟ البرنامج يأتي دائماً متأخراً، إن أتى. تُجمع الأصوات من هنا وهناك، تُركّب اللوائح كما تُركّب التسويات، ويُطلب من الناخب أن يثق بأنّ التناقضات ستُحَل بعد الإنتخابات. أما قبلها، فالمطلوب فقط جمع أكبر عدد ممكن من المتخاصمين تحت شعار واحد، على أمل أن تُنسى التناقضات أو عدم الناس لها.
المشهد يتكرر كل مرة. بالأمس، في قداس عيد مار مارون في طرابلس، كان العرض مكتملاً. النواب والوزراء في الصف الأول، بوجوه تعرف الكاميرا جيداً. خلفهم، في الصف الثاني، المرشحون. لا فرق كبير بين الصفين سوى التوقيت. الأولون وصلوا، والآخرون ينتظرون. الجميع حضر، لا للصلاة فقط، بل لتأكيد الموقع. السياسة هنا لا تُمارس في التشريع، بل في الصفوف الأمامية، حيث تُقاس الأهمية بعدد المقاعد لا بنوعية الحضور.
أما الترشح نفسه، فلم يعد بالضرورة فعلاً سياسياً. عند بعضهم، هو هواية. خاصة الأغنياء والناجحين مهنياً. رجل أعمال ناجح، طبيب مشهور، محامٍ لامع، يقرر أن «يجرّب حظه» في السياسة. ليس لأنّ لديه مشروعاً، بل لأنّ المال متوافر، والوقت يسمح، واللقب مغرٍ. النيابة تصبح امتداداً للنجاح الشخصي، لا مسؤولية عامة. مقعد إضافي في سيرة ذاتية مكتملة أصلاً.
وعند آخرين، الترشح إدمان. مرشح هُزم أربع أو خمس مرات، لكنه يعود في كل دورة بإصرار مَرَضي. لا يراجع الأسباب، ولا يغيّر الخطاب، ولا يسأل نفسه ماذا قدّم أو لم يقدّم. الهزيمة لا تُقصيه، بل تُغذي رغبته في المحاولة من جديد. يصبح الترشح بحد ذاته غاية، لا وسيلة. كأنّ السياسة تحوّلت إلى سيجارة يصعب تركها، حتى لو أثبتت النتائج عدم جدوى الترشح مراراً.
في هذا كله، يضيع البرنامج. يُذكر عرضاً، كملحق إعلاني لا يقرؤه أحد. وعود عامة، شعارات مطاطية، كلام عن الإصلاح ومحاربة الفساد، يُقال بالقدر نفسه الذي قيل فيه سابقاً، وبالنتائج نفسها. لا أحد يتحالف على برنامج، ولا أحد يخسر بسببه. الفوز يُصنع في الصالونات، وفي الجنازات، وفي الصفقات، لا في النقاش العام.
هكذا تُدار الإنتخابات في لبنان. ليس كساحة تنافس أفكار، بل كاختبار قدرة على الحركة، والإنفاق، والتكيّف مع منظومة تعرف كيف تعيد إنتاج نفسها. ومن يريد أن يفوز، عليه أولاً أن يفهم القاعدة الذهبية: في هذا البلد، الطريق إلى البرلمان يمر عبر شبكة علاقات تعرف كيف تصافح، وتعزّي، وتدفع، وتتحالف… ثم، إذا بقي وقت، تتحدث عن برنامج وحفنة من المشاريع والأفكار الجميلة.

