واشنطن بوست على الحافة: حين تهتز الصحافة… تهتز الديمقراطية الأميركية

واشنطن بوست على الحافة: حين تهتز الصحافة… تهتز الديمقراطية الأميركية

  • ٠٨ شباط ٢٠٢٦
  • تيريزا كرم

في لحظة تاريخية تتصاعد فيها الشعبوية، وتنتشر المعلومات المضللة، وتُختبر فيها الديمقراطيات، يبدو إضعاف الصحافة الحرّة مخاطرة تتجاوز مؤسسة بعينها.



لم تكن التسريحات الجماعية التي ضربت صحيفة واشنطن بوست في شباط 2026 مجرّد إجراء إداري أو قرار مالي عابر، بل بدت لكثيرين وكأنّها لحظة مفصلية في تاريخ واحدة من أعرق المؤسسات الصحافية في الولايات المتحدة، وربما في مسار الإعلام الأميركي ككل. صحيفة صمدت قرابة قرن ونصف، كشفت فضائح سياسية كبرى ووثائق أمنية حساسة، ورفعت شعار «الديمقراطية تموت في الظلام»، تجد نفسها اليوم تفرّغ من الداخل، في توقيت سياسي يُعد من الأكثر حساسية منذ عقود.

منذ تأسيسها عام 1877، شكّلت واشنطن بوست أكثر من مجرد صحيفة يومية، إذ تحوّلت تدريجيًا إلى مؤسسة لعبت دورًا محوريًا في صياغة العلاقة بين الصحافة والسلطة في الولايات المتحدة. بدأت كمنبر سياسي مرتبط بالحزب الديمقراطي، قبل أن تدخل مرحلة مفصلية عام 1933 مع استحواذ الممول الجمهوري يوجين ماير عليها بعد إفلاسها، واضعًا لها ميثاقًا تحريريًا صارمًا يقوم على «قول الحقيقة كاملة بقدر ما يمكن الوصول إليها». 

وخلال عقود قيادة عائلتي ماير وغراهام، رسّخت الصحيفة مكانتها الوطنية عبر كشفها ملفات مفصلية في التاريخ الأميركي، أبرزها نشر «وثائق البنتاغون» عام 1971، ثم فضيحة «ووترغيت» التي أطاحت بالرئيس ريتشارد نيكسون وأسست لمرحلة جديدة من الصحافة الإستقصائية.

بدأت فضيحة "واترغيت" (Watergate) رسمياً في الساعات الأولى من صباح 17 حزيران 1972، عندما أُلقي القبض على خمسة أشخاص أثناء اقتحامهم مقر اللجنة الوطنية الديمقراطية في مجمع "واترغيت" بواشنطن لزرع أجهزة تنصت. غطت صحيفة واشنطن بوست القضية من خلال استراتيجية استقصائية طويلة المدى غيرت مجرى التاريخ الأميركي

وبينما أصرت الصحيفة على تعريف نفسها كجريدة محلية، فإنّ وجودها في عاصمة القرار جعل تغطيتها بطبيعتها ذات أبعاد وطنية ودولية، ومع التحوّل الرقمي توسّع جمهورها عالميًا، خصوصًا في ملفات الأمن القومي، لتصبح أحد أعمدة الصحافة الأميركية الحديثة.

في الثامن من شباط 2026، أعلنت واشنطن بوست تنفيذ خطة تسريح طالت أكثر من 300 موظف، أي ما يقارب ثلث القوة العاملة. القرار شمل إغلاق أقسام كاملة، أبرزها قسم الرياضة، وتقليصًا جذريًا في أقسام الثقافة والمحليات، إضافة إلى الاستغناء عن مراسلين في مناطق نزاع مثل أوكرانيا والشرق الأوسط. بالنسبة لكثيرين، لم يكن الرقم هو الصادم بحد ذاته، بل رمزية من شملتهم التسريحات: صحافيون يعملون في قلب الحروب، وفي خطوط تماس الحقيقة.

أحد أكثر المشاهد التي لخصت فداحة اللحظة كان تسريح مراسلة الصحيفة في أوكرانيا ليزي جونسون، بينما كانت تعمل من داخل سيارتها بسبب القصف الروسي وانقطاع الكهرباء. رسالتها القصيرة على منصة «إكس» :«تم تسريحي من واشنطن بوست وأنا في منتصف منطقة حرب»، تحولت إلى شهادة موجعة عن وضع الصحافة في زمن تتراجع فيه الحماية السياسية والأخلاقية لدورها.

من الإنقاذ إلى التفكيك

عندما اشترى جيف بيزوس الصحيفة عام 2013 مقابل 250 مليون دولار، استُقبل بوصفه «المنقذ». ضخّ أموالًا، حدّث البنية الرقمية، وترك غرفة الأخبار تعمل باستقلالية واضحة، خصوصًا خلال الولاية الأولى لدونالد ترامب. في تلك المرحلة، حققت الصحيفة قفزات في الاشتراكات، وبرزت كأحد أبرز الأصوات الناقدة للإدارة الأميركية.

لكن المشهد تغيّر جذريًا بعد مغادرة ترامب البيت الأبيض، ثم عودته لاحقًا إلى السلطة. فقدت الصحيفة مئات آلاف المشتركين، وتكبدت خسائر قُدّرت بنحو 100 مليون دولار في عام 2024. ومع ذلك، يرى كثير من الصحافيين والمراقبين أنّ الأزمة لم تكن مالية فقط، بل نتاج قرارات تحريرية وإدارية متراكمة.

التحول الأبرز كان في خريف 2024، حين امتنعت الصحيفة عن نشر افتتاحية تدعم المرشحة الديمقراطية كامالا هاريس، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة من تأييد المرشحين الديمقراطيين. القرار فجّر موجة غضب واسعة، وأدى إلى إلغاء نحو 250 ألف اشتراك، واعتبره منتقدون محاولة واضحة لتجنّب صدام مباشر مع ترامب.

غضب داخل البيت الصحافي
ردود الفعل من داخل المؤسسة وخارجها كانت قاسية. دون غراهام، نجل كاثرين غراهام التي قادت الصحيفة في ذروة قضية ووترغيت، وصف اليوم الذي أُعلنت فيه التسريحات بأنّه «يوم سيئ». أما بوب وودوارد، أحد الصحافيين اللذين أسقطا رئاسة نيكسون، فقال ببساطة: «أنا محطم»
مارتي بارون، رئيس التحرير التنفيذي السابق، كان الأكثر حدّة. فقد اعتبر ما جرى من «أحلك الأيام» في تاريخ الصحيفة، وهاجم بيزوس بسبب «محاولاته المقززة للتقرّب من الرئيس ترامب»، معتبرًا أنّ ذلك ترك «وصمة قبيحة» على سمعة واشنطن بوست ودورها الرقابي.

الصدمة لم تكن داخلية فقط. مئات الأشخاص تظاهروا أمام مقر الصحيفة دعمًا للموظفين المسرّحين، في مشهد نادر يعكس حجم القلق الشعبي من انهيار أحد أعمدة الإعلام الأميركي.

استقالة لويس… ولا نهاية للأزمة
بعد أيام قليلة من موجة التسريحات، أعلن الرئيس التنفيذي ويل لويس تنحيه عن منصبه، في خطوة رأت فيها نقابات الموظفين «إستقالة متأخرة». النقابات طالبت بيزوس إما بالتراجع الفوري عن التسريحات أو بيع الصحيفة «لمن هو مستعد للاستثمار في مستقبلها»

لكن الاستقالة لم تُنهِ الجدل، بل فتحت أسئلة أكبر: هل ما يجري هو محاولة إنقاذ قاسية، أم تفكيك بطيء لمؤسسة صحافية كانت يومًا حجر زاوية في الديمقراطية الأميركية؟

سياق أوسع: الإعلام تحت الضغط
ما يحدث في واشنطن بوست لا يمكن فصله عن المشهد الإعلامي الأميركي الأوسع. فمنذ عام 2000، أُغلقت نحو 3500 صحيفة في الولايات المتحدة، ووجد واحد من كل أربعة أميركيين نفسه في «صحراء إخبارية» بلا صحيفة محلية. في هذا المناخ، تصبح المؤسسات الكبرى أكثر عرضة للضغط السياسي والإقتصادي.

إدارة ترامب، التي لا تُخفي عداءها لما تسميه «الإعلام الكاذب»، كثّفت هجماتها على الصحافة، من تقليص تمويل الإعلام العام، إلى الضغط على الشركات المالكة لوسائل إعلام كبرى عبر الدعاوى القضائية والتهديدات التنظيمية. وفي ظل امتلاك مليارديرات لعدد متزايد من الصحف، يصبح استقلال القرار التحريري أكثر هشاشة.

مفارقة ووترغيت

المفارقة القاسية أنّ كثيرًا من الأعراف الديمقراطية التي تتعرّض اليوم للتآكل، وُلدت أصلاً في سبعينيات القرن الماضي، في أعقاب «فضيحة ووترغيت». تلك الفضيحة لم تكن سوى «قصة محلية» بدأت في واشنطن، وكشفتها صحيفة آمنت بأنّ دورها يتجاوز الحسابات المالية والاعتبارات السياسية.

اليوم، ومع إضعاف أقسام الشؤون المحلية والدولية والثقافية، يخشى كثيرون أن تُفرغ واشنطن بوست من روحها: العمل الجماعي، والإنسانية، والقدرة على ملاحقة السلطة بلا خوف.

هل تُقفل واشنطن بوست؟
رسميًا، لا. الصحيفة لا تزال تصدر، وموقعها يعمل، وبيزوس يتحدث عن «فرصة إستثنائية». لكن ما يحدث يوحي بأنّ السؤال الحقيقي ليس عن الإقفال المادي، بل عن الإقفال المعنوي: هل تستطيع صحيفة بهذا الإرث أن تؤدي دورها الرقابي وهي مثقلة بالتسريحات، والقيود التحريرية، والضغوط السياسية؟
في لحظة تاريخية تتصاعد فيها الشعبوية، وتنتشر المعلومات المضللة، وتُختبر فيها الديمقراطيات، يبدو إضعاف الصحافة الحرة مخاطرة تتجاوز مؤسسة بعينها. فحين تتراجع واشنطن بوست، لا يخسر الصحافيون وظائفهم فقط، بل تخسر الديمقراطية الأميركية إحدى أهم أدوات محاسبتها.