تفاهم مار مخايل.. لم يخدم لبنان يوماً

تفاهم مار مخايل.. لم يخدم لبنان يوماً

  • ٠٦ شباط ٢٠٢٦
  • ناتالي أبو حرب

شراكة في التعطيل والإنهيار.. اليوم، لا ينفع إنعاش الذاكرة ولا تبرير الظروف، وكل ما تبقى ثمن يدفعه اللبنانيون.

بعد نحو عشرين عاماً على توقيعه، إتفاق مار مخايل وثيقة منتهية الصلاحية الوطنية منذ توقيعها، حتى حزب الله وصفه في 2025 بأنّه «في وضع حرج» في دلالة واضحة على انهيار الشراكة الصورية بين الطرفين. سقطت مفاعيلها السياسية تباعاً مع كل استحقاق كبير واللبنانيون دفعوا الثمن.

تفاهم قيل يومها إنّه ينظّم العلاقة بين «التيار الوطني الحر» و«حزب الله»، انتهى عملياً مع أول اختبار فعلي للسلطة، من تعطيل إنتخاب رئيس للجمهورية بين عامي 2014 و2016، إلى تحويل هذا التعطيل نفسه إلى أداة حكم بعد وصول ميشال عون إلى بعبدا. وفي الاستحقاق الرئاسي لعام 2024، تحوّل الخلاف بين الطرفين من مجرد اختلافات خلف الكواليس إلى صراع علني بشأن الترشيح الرئاسي، ما يُقرأ كعلامة تناقض في العلاقة التي كان يُفترض أن ينظمها التفاهم.

كلّما اقتربت البلاد من إستحقاقات مفصلية مثل الانتخاب الرئاسي أو تشكيل الحكومة، يعود خطاب «التفاهم» كأداة تفاوض وليس كإطار تنفيذ، ما يُظهر إنعدام دوره الوطني.

لم يكن تفاهم مار مخايل تفاهم شراكة بقدر ما كان تفاهم سلطة ووصاية. أعطى ميشال عون دور المرجعية السياسية، وفتح له الطريق إلى رئاسة الجمهورية، فيما تحوّل جبران باسيل، عبر حكومات متعاقبة، إلى لاعب محوري في إدارة الحكم، لا من موقع الإنجاز بل من موقع التعطيل. حكومات سقطت تحت ضغط الثلث المعطّل، ومجالس وزراء شُلّت عند كل خلاف، من ملف الكهرباء إلى التعيينات الإدارية، وصولاً إلى تعطيل متكرر لمجلس الوزراء في محطات مفصلية سبقت الانهيار المالي عام 2019.

وفي مقابل هذا النفوذ، سقطت الوعود الشعبية واحدة تلو الأخرى. لم تتحقق عودة المبعدين كما وُعد بعد عام 2005، ولم يُحمَ أهالي القرى الحدودية الجنوبية، من رميش إلى دبل وعين إبل، والقليعة ومرجعيون وغيرها، تُركوا بين القلق الدائم والإهمال الرسمي، لا قبل حرب تموز ولا بعدها. أما ملف المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية، الذي رُفع كشعار سيادي مركزي بعد إنسحاب الجيش السوري، فبقي حبراً على ورق، من دون لجنة فاعلة أو نتائج ملموسة، رغم مرور سنوات على دخول التيار إلى صلب السلطة.

هكذا، تحوّل تفاهم مار مخايل إلى عنوان لإخفاقات متراكمة لا لإنجازات، وإلى غطاء سياسي لإدارة حكم عطّلت الدولة بدل أن تبنيها. وما كان يُسوَّق على أنّه تفاهم لحماية الدولة وبناء الإستقرار، تحوّل مع الوقت إلى مظلة سياسية لسلاح خارج الشرعية، استُخدمت عند الحاجة في الداخل، سواء في تعطيل الإستحقاقات الدستورية أو في فرض موازين قوى لا تشبه منطق الدولة.

واليوم، لا يأتي اعتراف رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل بسقوط التفاهم كأنّه لم يكن يعلم، فالرجل يقرّ، بعد أن سقط الحزب وانتفت المصلحة، بأنّ جوهر الأزمة كان دائماً في رفض حزب الله أي نقاش فعلي في مسألة السلاح، وفي ربط وجوده و«شرفه» به. وهو سؤال طرحه اللبنانيون على باسيل وعلى الحزب منذ عام 2006، لكنه أُجّله لاعتبارات محسوبة، فلم يُنتج يوماً ورقة لبنانية واضحة تنظم العلاقة بين الدولة وهذا السلاح، لا قبل حرب تموز، ولا بعدها، ولا خلال ست سنوات من العهد.

وحين يقول باسيل إنّ التفاهم سقط منذ عام 2022، فهو يعترف ضمناً بأنّ ما سُمّي «استراتيجية دفاعية» لم يوجد يوماً إلا في الخطاب، وأنّ المسار الذي سلكه البلد لم يكن دفاعياً بقدر ما كان هجومياً، انتهى بعزلة سياسية، وانهيار مالي، فساد بنيوي، وشلل مؤسساتي كامل. اعترافات تُقرأ اليوم كتبرؤ سياسي متأخر لا يسقط الذنب عن التيار بل يدينه لأنّ التفاهم وفّر للحزب غطاءً وطنياً، ووفّر للتيار طريقاً سالكة إلى السلطة.

في المقابل، يخرج الرئيس السابق ميشال عون، أحد مهندسي التفاهم، ليُعيد نشر وثيقته، مدافعاً عنها، ومذكّراً بظروف عام 2005. لكن ما يتجاهله هذا الدفاع أنّ تلك الظروف لم تعد قائمة، وأنّ الحصيلة باتت واضحة: دولة أضعف، مؤسسات منهارة، واستحقاقات دستورية معطلة، من الرئاسة إلى الحكومة، وسلاح بلا أفق ولا شراكة حقيقية.

انتهت مفاعيل مار مخايل، لأنّ أي اتفاق يُبقي السلاح فوق الدولة لا يعيش طويلاً. سقط عندما عجز عن حماية لبنان، وسقط أكثر عندما تحوّل إلى شراكة مقصودة في التعطيل والانهيار. اليوم، لا ينفع إنعاش الذاكرة ولا تبرير الظروف: النتيجة واحدة. تفاهم التيار مع حزب الله ترك تركة ما زال اللبنانيون يدفعون ثمنها حى الساعة.