«داعش خراسان»: فيلٌ يسعى «بوتين» لإخفائه.. مُفتّشاً عن خيط أوكراني

«داعش خراسان»: فيلٌ يسعى «بوتين» لإخفائه.. مُفتّشاً عن خيط أوكراني

  • ٢٥ آذار ٢٠٢٤
  • عبدالله ملاعب

لم تتخطَّ روسيا بعد، قيادةً وشعباً، الكارثة التي حلَّت بها. هجوم «كروكوس» الإرهابي، هو الأكثر دمويةً منذ عقدين. خرقٌ إستخباراتي فادح، راح ضحيته أكثر من 137 شخصاً من بينهم أطفال. الهجوم باغت «بوتين»، وأوقف فعاليات الإحتفال بولايته الجديدة، وأدخل الرئيس المُبايع لولاية خامسة، في تحدّ جديد قوامه الإقتصاص الفوري من المُنفّذين والمسؤولين والجهات التي تقف خلفهم.

تنظيم «داعش» فرع خراسان، وهي المنطقة الممتدَّة بين إيران وأفغانستان وتركمانستان، سارع وتبنَّى الهجوم بعد ساعات قليلة على تنفيذه مساء الجمعة. وكالة «أعماق الإخبارية»، أقدم وسيلة إعلامية تابعة لتنظيم «داعش»، تأسست عام 2006، بثَّت مقاطع فيديو من العملية الإرهابية على قناتها في «تليغرام».

من هو تنظيم داعش خراسان؟ 

ظهر تنظيم داعش فرع خراسان عام 2014، شرقي أفغانستان. بدأ مع عناصر إنشقَّت عن «حركة طالبان» الأفغانية التي انقلبت على الحكم في العام 2021 مع إنسحاب واشنطن من أفغانستان لصالح التنظيم. وفي ذلك العام، عادت «داعش» فرع خراسان إلى الواجهة في أفغانستان عبر تفجيرات أظهرت هشاشة حكم طالبان. إلا أنَّ «داعش خراسان»، توسّعت في صفوف الشباب الأفغاني في عهد أشرف غني إبَّان إنقلاب طالبان على الحكم. 

وعلى وقع الإنسحاب الأميركي من كابل، بدأت خطة «داعش خراسان» للتوسّع في أفغانستان أكثر وعلى العلن. عناصر من داعش فجّروا مطار كابل في آب 2021، ما أدى إلى مقتل 13 جندياً أميركياً و170 مدنياً.

رغبة «داعش خراسان» بالإنتقام من بوتين، والإنقضاض على روسيا متعدّدة الأوجه. السبب الأول يأتي لأنَّ روسيا ومعها إيران والصين تدعم طالبان من العام 2021 لتصفية تنظيم «داعش» والقضاء على المسلحين التابعين له في شمال وشرق وغرب أفغانستان.

وعلى خط آخر، توسّع هذا التنظيم على الحدود الأفغانية مع باكستان وإيران ودول آسيا الوسطى (طاجيكستان وتركمانستان). ونشط على خط تجنيد مسلمين متطرّفين من الدولتين المذكورتين على وجه الخصوص. هذا ما أكَّده تقرير الأمم المتحدة الـ18 الذي قُدّم لأمين عام المنظمة «أنطونيو غوتيريش»، عن التهديد الذي يشكله تنظيم الدولة الإسلامية على السلام والأمن الدوليين.

وللجماعات الإسلامية المتطرّفة من طاجيكستان وتركمانستان، حقد خاص على بوتين، على إعتبار أنَّه من المتواطئين على المسلمين لاسيَّما في أفغانستان والشّيشان وسوريا، التي دخلت إليها روسيا عام 2015 دعماً لنظام، وبحجّة مكافحة الإرهاب.

وهنا، تجدّر الإشارة إلى أنَّ المجرمين الأربعة الذين نفذوا عملية «كروكوس» الإرهابية هم من الطاجيك. وقد كشفت تقارير صحافية عربية متخصّصة بالإرهاب أنَّ تنظيم «داعش خراسان»، ركّز في السنة الماضية على تجنيد مسلمي الطاجيك. وفيما نكرت روسيا تلقيها بلاغات من واشنطن حول خطورة حصول أعمال ارهابية على أراضيها من جماعات متشدّدة، كشف الرئيس الفرنسي «إيمانويل ماكرون» أنَّ «الجهة التي نفَّذت هجوم موسكو، كانت تخطّط لتنفيذ عمليات في فرنسا أيضاً». وبالفعل، حاول تنظيم «داعش خراسان» في الفترة السابقة، تنفيذ عمليات ارهابية في السويد وفي فرنسا بحسب ما ورد على وسائل الإعلام التابعة له، وما ورد أيضاً في تقرير الأمم المتحدة الأخير المذكور سابقاً.

تفجير «كروكوس» ليس الأول ضدّ روسيا بوتين 
بعد سنة واحدة على الإنسحاب الأميركي من أفغانستان لصالح «حركة طالبان»، ونجاحها في تأمين تأييد أميركي وروسي لها، على اعتبار أنَّها خلعت ثوب الجهاد، نفَّذ «تنظيم داعش» فرع خراسان في أيلول، من العام 2022، عملاً إرهابياً إستهدف فيه السفارة الروسية في كابل وأدى إلى مقتل موظَفين روس. ومنذ ذلك التاريخ حتى اليوم، حذّرت الإستخبارات الأميركية بشكل بارز من ما أسمته خطة «داعش خراسان» للتوسّع في أفغانستان وخارجها خصوصاً في دول آسيا الوسطى.
ولم يكن هجوم موسكو الأخير، هو الأعنف «لداعش خراسان»، أو الأكبر إقليمياً، بل كان الإنفجاران اللّذان أعلن التنظيم مسؤوليته عنهما، في منطقة كرمان الإيرانية على مقربة من قبر قاسم سليماني مطلع هذا العام، والذي راح ضحيته 100 إيراني. 

التنظيم، أعلن وقتها مسؤوليته عبر وكالة أعماق الإخبارية  في «تليغرام»، وأكَّدت الإستخبارات الأميركية ذلك، في حين راحت أصابع الإتهام الإيرانية نحو إسرائيل ومن خلفها أميركا. تماماً كما هو الحال اليوم، بعد تفجير «كروكوس»، حيث ترفض موسكو إسقاط اليد الأوكرانية والضلوع الأميركي. ليبقى السؤال: هل من عمل إستخباراتي مشترك بين الأميركيين و«داعش خراسان»؟  

الإستخبارات الأميركية وداعش خراسان 

تفجير «داعش خراسان» الأخير في موسكو هو العملية الخامسة للتنظيم في الأشهر الماضية. فإلى جانب الهجوم في إيران، يأتي هجوم الكنيسة في إسطنبول أواخر كانون الثاني المنصرم، وسلسلة من العمليات الفاشلة في أوروبا التي أكَّدها «إيمانويل ماكرون» في كلامه الأخير. تقول الباحثة الروسية الأميركية المتخصّصة في شؤون الجماعات الإرهابية في جامعة هارفرد، «فيرا ميرونوفا»، إنَّ الإختراق الكبير لداعش خراسان في الداخل الروسي أتى خلال إنشغال بوتين بحربه على أوكرانيا. وتتحدّث الباحثة المختصّة بشؤون الجماعات الإرهابية عن تراجع العمل الإستخباراتي الروسي المرتبط بمكافحة الإرهاب والإنقضاض على الجماعات المتطرفة منذ العام 2022، وتحديدا بعد إعلان روسيا عن عمليتها العسكرية ضدّ أوكرانيا. وتقول إنَّ جهاز الأمن الفيدرالي الروسي ركّز بشكل كامل تقريباً قبل العام 2022 على التهديد الإرهابي من الجماعات المتطرفة، ولكنَّ حرب أوكرانيا غيَّرت كل شيء.

ويعتبر باحثون في الشؤون الإرهابية، من بينهم كمال علّام من المجلس الأطلسي، أنّ بوتين ظنَّ أنّ خطر الجماعات الإرهابية المتطرفة على روسيا قد زال، خصوصاً بعد ترويضه للشيشان الذي حاول المتشدّدون فيه الإنفصال عن روسيا الإتحادية لمرَّتين وفشلوا.

وفي حين، تستخدم إستخبارات دولية الجماعات المتطرّفة في أجنداتها الخارجية حيث توظّفها لمصالحها الخاصة، مثل توظيف النظام الإستخباراتي الباكستاني لطالبان، وتأمين النظام الإيراني الأمن والأمان لتنظيم القاعدة وإحتضانه، حيث يعيش أبرز قيادات القاعدة من ضمنهم مصطفى حامد في طهران، إلا أنَّ روسيا اليوم لا تملك أي معطى إستخباراتي يقول لها أنَّ واشنطن تقف خلف هذا الهجوم. جلّ ما لديها من إثباتات يتمثّل بإعلانها إعتقال المشتبه بهم قرب الحدود الروسية الأوكرانية. 
ويقول الباحث المصري المتخصّص بشؤون الجماعات الارهابية أحمد سلطاني، أنَّ «تنظيم داعش تعمد إستهداف روسيا، في هذا التوقيت، حتى يزيد من حالة التوتر بين موسكو من جهة وواشنطن والغرب من جهة أخرى». ويقول أنّ ذلك «هدف للتنظيم تحدّث عنه صراحة في إفتتاحية صحيفة النبأ، الموالية له، في 8 شباط 2024، حين قال بالنّصّ: للمسلمين أن يفرحوا بإقتتال الكفار في ما بينهم.. وعلى المسلم أيضاً أن يثير بين الكفار الشرّ بصورة عملية سالكاً لذلك كل طريقة مشروعة إضعافا لقدراتهم وإشغالا لبعضهم البعض». 

 

أوروبا تسارع لتبرأة أميركا وأوكرانيا

كما فعل «ماكرون»، سارعت الدول الأوروبية لإدانة التفجير في موسكو، وذكّرت بالإنذارات التي نفت روسيا تلقيها حول مخططات «تنظيم داعش» ضدّها. وقد أعلن مكتب الشؤون الخارجية للإتحاد الأوروبي أنّ الإتحاد قد يستأنف التعاون مع روسيا في مجال مكافحة الارهاب. فيما روسيا تؤكّد على موقفها من الهجوم وتتّهم واشنطن بالتّستر على أوكرانيا. وقد كثّفت موسكو عملياتها على أوكرانيا بعد الهجوم. 

رمى «بوتين» ما لديه من قفازات بعد الهجوم الدامي. فالروس يُحبّون القوّة والبسالة لأبعد حدّ، خصوصاً بعد الإنكسار. سفيره في وارسو، مثلاً، تجاهل طلب إستدعائه على خلفية إنتهاك صاروخ روسي أجواء بولندا. ويستمر في البحث عن أثر أوكراني في مسرح الجريمة. 
إنّما الغرب، بذراعيه الأميركي والأوروبي، يُذكّر بوتين بخطر داعش ويعاتبه على تجاهل تحذيراته، دون شماتة. ولكن، أي نتائج ستُسجّل لهذا الهجوم على الساحة الدولية؟ الإهتمام عاد إلى روسيا وأوكرانيا، بعد تصدّر إسرائيل سلَّم الأولويات الأميركية والأوروبية منذ 7 أكتوبر.  كل طرف كان على ضفّة. روسيا إنتفضت بوجه إسرائيل وأوكرانيا أكَّدت غربيتها بكل ما في الغرب من تناقضات ضدّ مفاهيمه الخاصة.
أي نظام إستخباراتي دفع «داعش خراسان» إلى قلب روسيا؟ سؤال جوابه حتماً في الأيام المقبلة.