ترامب يفي بوعده ويجعل من أميركا عظيمة مجدداً
ترامب يفي بوعده ويجعل من أميركا عظيمة مجدداً
) إيران وأتباعها عندنا فرحوا بهزيمة حزب ترامب، ولم يربطوا هذه الهزيمة بصعود القيم التي ينبذونها ويحرّضون ضدها ويقتلون أحياناً من يعتنقها أو يجاهر بها: الحرية والديمقراطية أولاً..
كان ترامب محقا عندما رفع لولايته الرئاسية شعار «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً» Make America Great Again - MAGA. أي أنّ أميركا بحسب رأيه، لم تكن عظيمة في حينه، لكنه سيجعل منها عظيمة مجدداً. وهذا صحيح، فكيف يمكن لأميركا أن تكون عظيمة وتنتخب رئيساً لها مثل ترامب، النرجسي المتشاوف، مغتصب النساء الكبيرات والصغيرات، الهارب من دفع الضرائب، والساعي أبداً الى تأمين مصالحه الشخصية والعائلية على حساب المصلحة العامة؟
وقد وفَى ترامب بوعده بعد سنتين من انتخابه، إذ قزّمته أميركا في الانتخابات النصفية البرلمانية، فخسر حزبه الجمهوري أمام الحزب الديمقراطي، ولحقت به هزيمة مدوّية. وهكذا استعادت أميركا عظمتها، بعد أن فقدتها بانتخابه رئيساً.
عظمة أميركا يراها ترامب من منظورَي المال والسلاح: عظمة القوتين المالية والعسكرية. وباعترافه هو، فإنّ هزيمة حزبه في الانتخابات البرلمانية جاءت نتيجة عاملين تأثّر بهما الناخب الأمريكي: الحرب مع إيران والغلاء الذي طال أسعار السلع، بدءاً من البنزين والمازوت.
وكأنّ الناخبين الأميركيين قالوا لترامب ولحزبه إنّ القوة العسكرية، كما القوة المالية، جلبتا لنا غلاء المعيشة وصعوبات العيش بكرامة، فأيّ عظمة هي هذه المتأتية من هذين العاملين؟
تتميز الولايات المتحدة الأميركية بمفارقة اقتصادية واجتماعية كبيرة: فهي صاحبة أكبر إقتصاد في العالم، ومن أعلى الدول من حيث الناتج المحلي للفرد والإنتاجية والابتكار، لكنها في الوقت نفسه تعاني من تفاوت كبير في توزيع الثروة والدخل، وارتفاع تكاليف المعيشة، ومشكلات في الفقر والحماية الصحية والسكن والتعليم.
بحسب أحدث بيانات تقرير اللامساواة العالمي لعام ٢٠٢٦، فإنّ التفاوت في توزيع الدخل في الولايات المتحدة كبير جداً بين أغنى ١ ٪ وأفقر ٥٠٪ من السكان. فأغنى ١٪ يحصلون مجتمعين على حصة من الدخل تفوق ما يحصل عليه نصف السكان الأقل دخلاً. حصة أغنى ١ ٪ أكبر بنحو ١،٥٥ مرة من حصة أفقر ٥٠ ٪، رغم أنّ عدد أفراد المجموعة الثانية يعادل ٥٠ مرة عدد أفراد المجموعة الأولى.
وفي مؤشر حول تأثير الحرب مع إيران على الأسعار، ارتفعت أسعار الطاقة ٥،٢ ٪ خلال شهر واحد، وكان ارتفاع البنزين مسؤولاً عن أكثر من نصف الزيادة الشهرية في مؤشر الأسعار.
الانتخابات النصفية البرلمانية دلّت بوضوح على أنّ عظمة أمريكا ليست في المال ولا في السلاح، بل في مكان آخر: إنّها في حريّة شعبها وديمقراطية نظامها، اللذين يسمحان بمحاسبة الحكام على سياساتهم ويحفظان في الوقت نفسه القدرة على إتمام عملية تبادل السلطة بسلام.
كان سباقاً ألكسيس دو توكفيل عندما اختصر ما يميّز أمريكا في عنوان كتابه الصادر سنة ١٨٣٥ بعد زيارته لها مباشرة: «الديمقراطية في أمريكا». هذا لا يعفي بالطبع الديمقراطية الأمريكية من الكثير من الشوائب، وخاصة تأثير الدعم المالي الذي يقدمه الأثرياء والشركات الكبرى للمتنافسَين من الحزبين.
يمكن إضافة بوادر «عدالة إجتماعية» إلى الحريّة والديمقراطية، كعنصر من عناصر عظمة أميركا بعد الحدث الانتخابي الأمريكي. ذلك أنّ الدوافع المعيشية كانت في صلب خلفية خيارات الناخبين، لا سيّما مع تنامي تأثير تيار الديمقراطية- الإشتراكية داخل الحزب الديمقراطي، والذي يركّز على التفاوت الطبقي واتساع هذا التفاوت بفعل سياسات ترامب الداعمة للرأسمال الكبير.
إيران وأتباعها عندنا في المنطقة العربية فرحوا بهزيمة حزب ترامب وبتراجع نفوذه، ولم يربطوا هذه الهزيمة وهذا التراجع بصعود القيم التي ينبذونها ويحرّضون ضدها ويقتلون أحياناً من يعتنقها أو يجاهر بها: الحرية والديمقراطية أولاً، ومن ثم المساواة بين البشر بغضّ النظر عن جنسهم ودينهم وجنسيتهم ولون بشرتهم وميولهم الجنسية. وقد أثبت الشعب الأميركي احترام هذه القيم من خلال نتائج الانتخابات التي جسّدت هذه القيم في مواصفات الذين أُنتخبوا: فهم توزعوا بين نساء ورجال، بين سكان أصليين وبيض وسود وعرب ولاتينيين، بين مسيحيين ومسلمين ويهود، بين مستقيمين ومثليين،...
هؤلاء الممانعون يعشقون السلاح والحروب ويشمتون بالحريّة والديمقراطية والقيم التي ترافقهما. فأميركا هي «الشيطان الأكبر» برأيهم، ليس فقط لأنّها تهيمن على المنطقة بالمال والسلاح، بل لأنّها أيضاً تروّج لقيم «شيطانية» بحسب الأصوليات الدينية المهيمنة في إيران وفي المنطقة العربية.
الشعب اللبناني بمعظمه لم ينظر إلى إضعاف نفوذ ترامب في أمريكا نظرة تفاؤلية بما يتعلق بتأثير ذلك على الوضع اللبناني. فهم يخشون أن يُترجم ضعف النفوذ هذا تقوية للنفوذ الإيراني في بلادهم، وما ينتج عنه من استمرار حزب الله في العبث بمصير البلاد، ومن تعثر لقيام الدولة وترسّخ للاحتلال الإسرائيلي على حد سواء.
القضية الفلسطينية انتصرت أخلاقياً في أوساط الشعب الأمريكي. والموقف من إسرائيل ومن احتلالها لفلسطين وسياسة الإبادة الجماعية التي تنتهجها، أصبح موقف إدانة تامة، يترافق مع الدعوة إلى وقف التمويل الأمريكي لها. ولا شكّ أنّ هذا الموقف يُضاف الى الأسباب التي جعلت الناخب الأميركي يصوّت ضدّ ترامب وحزبه الجمهوري.
على لبنان أن يستفيد من الإدانة الأمريكية لإسرائيل في محاولة منه للتخفيف من الإنحياز الأمريكي لها في وساطتها بين البلدين، مع الحرص على استقلالية القرار اللبناني وعدم السماح لأن يُستخدم لبنان كورقة للتفاوض من قبل إيران، أو أن يجري التفريط بسيادته في أي صفقة مقبلة بين أميركا وإيران. وهذا يفترض استراتيجية جديدة من قبل الحكم اللبناني، كما من قبل جماعات الضغط اللبنانية في أميركا، التي على ما يبدو، هي أقرب الى مواقف المسيحية الصهيونية.
وعندها فقط، قد تصبح أميركا فعلاً عظيمة بالنسبة للبنانيين الذين اختبروا بأرواحهم وأرزاقهم، وأكثر من غيرهم في منطقة الشرق الأوسط، معنى الحريّة والديمقراطية وأهمية القيم المتصّلة بالتعدّدية المجتمعية، وهم يستحقون دعم الحزبين الأميركيين، الجمهوري والديمقراطي، المتسمكَين بقيم الحرية والديمقراطية والتعددية.

