حارث سليمان: من تفكيك الوهم المقدّس وتحرير الفرد إلى بناء المجال الوطني المشترك
حارث سليمان: من تفكيك الوهم المقدّس وتحرير الفرد إلى بناء المجال الوطني المشترك
) حارث سليمان له من الشجاعة الفكرية لمساءلة السردية التي ينتمي إليها نفسه وهذا يتعلّق بأخلاقية النقد وبالموقع الذي يقف فيه المثقف حين يواجه أوهام جماعته ومقدّساتها.
لا يمكن الولوج إلى عالم حارث سليمان في كتابه الصادر مؤخراً عن دار سائر المشرق «خراب في عباءات قداسة» إلا من باب كونه يؤسس لمشروع فكري وطني علماني هو في طور التبلور حيث يتجاوز التعليق السياسي اليومي والآني، إذ لا تتوقّف موضوعاته عند تقييم الأحداث بل تمتد إلى أسئلة الهوية اللبنانية وحرية الفرد وطروحات الفدرالية والعلاقة بين الدين والمجتمع والسياسة ومفهوم الدولة والنظام اللبناني الطائفي والقضية الفلسطينية وموقع لبنان في المنطقة.
«الخراب في عباءات قداسة» في فصوله الواحد والعشرين هو تتويج لمسار فكري ناضج سبق ظهور الكتاب، لذا ينبغي قراءة الكتاب في سياق مجمل كتاباته السابقة وعبر دوره في حركة التجدّد الديموقراطي بمعية نسيب لحود وهمّ بناء دولة المواطنة على أنقاض دولة المحاصصة والزبائنية والتسويات والتفاهمات الظرفية بين زعماء الطوائف، فهو صاحب طموح فكري أعمق من مجرّد الدعوة إلى إصلاح النظام السياسي ونبذ الطائفية حيث تتكرّر في كتاباته. وفي هذا الكتاب بالتحديد إشكالية الأوهام والسرديات التي تتحكّم بالوعي السياسي وكيف تتحوّل إلى عوائق أمام الحرية وبناء الدولة، فلا إعادة بناء قبل تفكيك هذه الأوهام والسرديات والمقدسات السياسية لأنّ «السلطة التي تقوم على بيع الأوهام تستند إلى بطش الاستبداد وعنفه الفعلي واللفظي وليست إلا أداة لإدارة الخراب واستدامته.. فالدماء هي الوسيلة الفضلى لاحتساب الوهم حقيقة والأكاذيب وقائع والخرافات معجزات متحقّقة..» لأنّ «صناعة الأوهام ترتقي إلى مرتبة القداسة..»
عنوان الكتاب يحمل مخاطرة فكرية بحدّ ذاته، فالكاتب يقترب من المقدّس ويعرّيه دون أن يخشاه وهنا تبرز جرأة الاقتراب من مناطق يحاول الخطاب الطائفي عادة تحصينها من النقد والمساءلة لذا هو ينتهك حرمة المقدّس السياسي والطائفي دون أن يقف عند أداء الزعماء أو أخطار النظام الطائفي، فهو ينزع القداسة عن الجماعة ويعيدها إلى الإنسان الفرد، فالكتاب هو أكثر من كتاب سياسي عن لبنان، إنّه محاولة لإعادة تعريف معنى الفرد اللبناني نفسه، ففي المجتمعات التي تتنازعها الهويات السياسية والطائفية المركبة، قد تتحوّل السرديات التاريخية إلى أنظمة مغلقة لتفسير العالم وتصبح الجماعة وفي روايتها عن نفسها صاحبة الحقّ الدائم ويصبح الآخر مسؤولاً عن الخطر والخيانة والخراب.
من هنا فإنّ حارث سليمان لا يفكك السرديات التي تنتجها الطوائف الأخرى بل له من الشجاعة الفكرية لمساءلة السردية التي ينتمي إليها نفسه وهذا يتعلق بأخلاقية النقد، وبالموقع الذي يقف فيه المثقف حين يواجه أوهام جماعته ومقدّساتها وتتجلى في ذلك شجاعة نقد الذات بدل اتهام الآخر، ففي الخطاب الطائفي المعتاد ينطلق المرء من افتراض أنّ جماعته مظلومة دائماً وأنّ مسؤولية الأزمات والخراب تقع على الآخرين، وهكذا تتحوّل السياسة إلى محاكمة متبادلة تصبح فيها كل طائفة شاهداً لنفسها وقاضياً على سواها، أما حين يوجّه المثقف النقد إلى البيئة التي ينتمي إليها فإنّه بذلك يكسر هذه المعادلة، فهو لا يمنح جماعته براءة مسبقة ولا يجعل انتماءه إلى جماعة معينة سبباً لتعليق حكمه النقدي وهذا التحدي يُسأل عنه جميع المثقفين اللبنانيين الآخرين الذين ينتمون إلى جماعات أخرى، وتكمن أهمية ذلك في خمسة أمور:
الأمر الأول هو في كسر الحصانة الأخلاقية؛ إذ أنّ الإنتماء إلى جماعة لا يجعل روايتها التاريخية والسياسية صحيحة بالضرورة.
الأمر الثاني هو في تحرير النقد من الانتقائية؛ إذ لا يمكن إدانة استغلال المقدّس عند الآخرين وتبريره عند «جماعتنا». والكاتب هنا لا يبحث في الإيمان الديني نفسه فهو موضع إحترام، وإنّما في نقل صناعة المقدّس واستعصائه على النقد والمساءلة من المجال الديني إلى المجال السياسي: فالزعيم مقدّس، والقضية مقدّسة، والحزب مقدّس، والجماعة مقدّسة، والسلاح مقدّس، والتاريخ الذي ترويه الجماعة مقدّس، إذ ليس من السهل القول « جماعتي أخطأت» في زمن الجيوش الإلكترونية وعبادة زعماء الأحزاب والطوائف. وهكذا فالفئة التي تفشل وتتمسك بإنكار الفشل وتشويه اللغة لا تعترف بالمسؤولية، لذلك تبحث عن تفسير في زمن التعميم المذهبي يحمي صورتها عن نفسها فيتحوّل الفشل إلى «مؤامرة» والهزيمة إلى «نصر مؤجل» والخطأ إلى «تضحية» والنقد إلى «خيانة» والخراب إلى «أضرار جانبية».
الكاتب هنا يحاول أن يكشف كيف إذا أُعطي القرار السياسي صفة دينية مقدّسة يصبح الإعتراض عليها إعتراضاً على الدين نفسه وكيف تتحوّل الخصوصيات إلى قفص سياسي يسجن المرء نفسه داخله.
الأمر الثالث هو في كيفية بناء وطن لا تكون فيه الجماعة أقوى من الفرد وكيفية تفكيك الآلية التي تجعل الجماعة أو الطائفة تبتلع الفرد لأنّ العقل الطائفي يحتاج أن تتكلم الجماعة بصوت واحد.
الأمر الرابع هو في عدم الاكتفاء بنقد الطائفية والبحث في كيفية توظيف الدين والعقيدة لإضفاء شرعية مقدّسة على مشاريع سياسية واضعاً تحت المجهر ثلاثة نماذج من الأصوليات: الصهيونية وولاية الفقيه والجهادية الإخوانية والسلفية، وكيفية الإنتقال من الممارسات إلى نقدالأفكار التي تبرّرها.
الأمر الخامس هو في استعادة المسؤولية الذاتية إذ لا يعود الإصلاح وإعادة البناء مشروطين بأن يبدأ الآخرون أولاً، بل يصبح كل «مجتمع» معنياً بمراجعة خياراته وأخطائه.
أما لماذا يمتلك الكاتب الجرأة اللازمة لذلك ولماذا لهذه الجرأة أهمية في لبنان، فذلك لأنّ النظام الطائفي لا يقوم على توزيع المناصب والحصّص فحسب، بل يتغذى أيضاً من روايات جماعية متوارثة ومن مخاوف متبادلة ومن اعتقاد كل جماعة بأنّ الإعتراف بفشلها وبأخطائها قد يضعف موقعها أمام الجماعات الأخرى، وفي مثل هذا السياق قد ينظر إلى نقد المرء لطائفته باعتباره خدمة لخصومها حتى ولو كان هدفه تحريرها من أوهامها ومساعدتها على مراجعة خياراتها.
وهنا تظهر المفارقة: قد يكون النقد في جوهره محاولة لإنقاذ الجماعة من تكرار أخطائها، لكن المنطق الطائفي قد يصنّفه خيانة لها. فالمثقف كما هي حال حارث سليمان الذي ينقد جماعته فإنّه لا يقف بالضرورة ضدّها بل يرفض أن تتحوّل محبته لها وللآخرين إلى طاعة فكرية وخضوع أعمى، وقيمة ذلك في أنّ صاحب النقد ليس معصوماً عن الخطأ والكاتب هنا لا يدّعي العصمة، إنّ قيمته الحقيقية تكمن في تطبيق المعيار نفسه على الذات وعلى الآخر مع الإستعداد لتصحيح الموقف في حال بروز أدلة جديدة.
إنّ جرأة المثقف في انتقاد جماعته ليست تفصيلاً شخصياً في سيرته، إنّها اختبار لإمكانية الانتقال من الولاء الطائفي بوصفه مصدراً للحقيقة إلى المواطنة بوصفها إطاراً مشتركاً للمساءلة والحقوق، والكاتب بذلك لا يكتفي بالتشخيص ولا بنقد السرديات وتفكيك المقدسات التي تحتمي بالعباءات والخرافات والأساطير بل هو يطرح أفقاً بديلاً في الدعوة إلى بناء دولة المواطنة والمؤسسات وإلى استراتيجية وطنية تستند إلى قراءة واقعية وعميقة للتحولات الإقليمية والدولية لا إلى الشعارات مهما كانت نبيلة وبرّاقة ومخادعة.
وهو بذلك ومن نفس المنطلق في نقد أوهام ومقدّسات «جماعته» يرفض الطرح الفدرالي عند الآخرين كما يرفض أن يتحوّل التعدّد والتنوّع اللبناني من حقيقة اجتماعية وثقافية غنية إلى مجموعة كيانات طائفية مغلقة لكل منها سرديتها السياسية ومصالحها ومرجعياتها الخاصة والخارجية.
ويمكن هنا أن تنشأ مفارقة حين يقدّم الإنغلاق الطائفي باعتباره الوسيلة الوحيدة لحماية التنوّع. فإذا اعتقدت كل جماعة أنّ ضمان حقوقها يقتضي امتلاك كياناً سياسياً خاصاً بها وأنّ أمنها يتطلّب الابتعاد عن الجماعات الأخرى، فإنّ الخوف المتبادل قد يصبح مبرّراً دائماً لمزيد من الإنفصال والإنقسام وعندئذ تتحوّل السرديات التي يفترض بها حماية الجماعات إلى روايات تعيد إنتاج مخاوفها وتمنح قياداتها سلطة التحدّث باسمها وابتلاع الأفراد من جديد.
كما تضعف إمكانية بناء مصالح وطنية مشتركة، وتقضي على محاولة الإنتقال من وطن تتجاور فيه الطوائف بوصفها جماعات سياسية مغلقة إلى وطن يتشارك فيه مواطنون مختلفون ومتنوعون دولة واحدة وحقوقاً متساوية ومصيراً سياسياً مشتركاً.
وكما هو لا يريد أن تتحوّل أزمة استعصاء حزب الله إلى إدانة جماعية للشيعة ولا أن يصبح اليأس من حزب الله مبرّراً للتخلي عن إمكانية بناء دولة مشتركة للعيش معاً، ويعتقد بأنّ تجاوز هذا اليأس يقتضي استعادة التعدّد والتنوّع داخل الطائفة الشيعية نفسها بدل تحويل الطوائف اللبنانية إلى كيانات سياسية مغلقة، فالخراب هنا ليس بالضرورة دمار المباني والمؤسسات فحسب بل خراب الوعي وتشويه التاريخ وتعطيل العقل النقدي وتآكل الدولة والمواطنة.
فالعنوان هو أبعد من وصف للخراب اللبناني، إنّه سؤال عن الآليات الفكرية التي تسمح بإنتاج الخراب، وكم من الخراب يستطيع المجتمع أن يتحمّل قبل أن يجرؤ على مساءلة الأمور التي تُعلَّم على أنّها فوق المساءلة؟

