فرنسا تنقسم.. والوسط يتراجع

فرنسا تنقسم.. والوسط يتراجع

  • ١٥ تشرين الأول ٢٠٢٦
  • أنطوني سعد

(انترو) فرنسا تقف أمام استفتاء غير معلن على هويتها. جمهورية واحدة تتجه نحو رؤيتين وشارعين لا يتحدثان اللغة السياسية نفسها

لم تعد فرنسا الجمهورية التي تجمع المتناقضات تحت سقف الوسط. البلاد التي قدّمت نفسها طويلاً نموذجاً للدولة الحديثة والعلمانية والاستقرار السياسي تدخل مرحلة من أكثر مراحلها اضطراباً منذ عقود. الحكومات تتعثر، والثقة بالطبقة السياسية تتراجع، والاستقطاب يتصاعد، فيما تتحول الانتخابات الرئاسية المقبلة، المقررة في ٢٠٢٧، من منافسة ديموقراطية طبيعية إلى اختبار لهوية البلاد ومستقبلها.

معسكران يتباعدان

في الجهة الأولى يقف اليمين القومي بقيادة مارين لوبان، مستفيداً من القلق بشأن الهجرة والأمن وما يعدّونه تراجعاً للهوية، ومن الاستياء من أداء الحكومات المتعاقبة. ولم يعد خطابه محصوراً في الأطراف، بل أصبح يدخل البيوت والقرى والمدن التي كانت ترفضه سابقاً. ويرى محللون أنّ جزءاً من ناخبيه يصوّت عقاباً لنظام سياسي يعتقد أنّه تخلى عنه لا اقتناعاً ببرنامج الحزب. وتعكس الأرقام هذا الزخم، إذ يرى ٥١٪ من الفرنسيين أنّ لوبان ستكون رئيسة جيدة، بزيادة ٦ نقاط عن بداية الصيف، بحسب استطلاع Toluna Harris Interactive  الصادر في ١٢ تشرين الأول.

 وفي الجهة المقابلة يقف اليسار الراديكالي بقيادة جان لوك ميلانشون زعيم حركة «فرنسا الأبية»، ويستند إلى قاعدة من الشباب وسكان الضواحي المهمشة والطلاب. ويواجه، اتهامات متكررة من قِبل خصومه السياسيين بالمراهنة على تعبئة الشارع واستثمار الغضب الاجتماعي وتغذية «النزعات الطائفية» و«الزبائنية الانتخابية» لكسب الأصوات بحسب ما أوردته صحيفة «ليبراسيون».

 ويرى منتقدوه أيضاً أنّه لم يعد يقدّم مشروعاً جامعاً للجمهورية بقدر ما يبني تحالفاً بين فئات غاضبة، بينما يعتبر أنصاره أنّه يمنح صوتاً لمن يشعرون بأنّ الدولة أهملتهم. وتشير الاستطلاعات إلى أنّه يحصل على ١٦ أو ١٧٪ من الأصوات، وهي نسبة تكفيه للتأهل في معظم الحالات التي اختبرها الاستطلاع، خاصة إذا استمر الوسط منقسماً بين أكثر من مرشح.

أما الوسط الذي حكم فرنسا لعقود فيزداد هشاشة، إذ يتنافس رئيسا الوزراء السابقان إدوار فيليب وغابرييل أتال، ما يثير مخاوف من أن يمنح انقسام الوسط بطاقتي الدور الثاني لليمين القومي واليسار الراديكالي. ويبدو التيار الذي مثّله إيمانويل ماكرون عاجزاً عن إنتاج وريث سياسي واضح.

التوتر الانتخابي ولغة «الحرب الأهلية»

مع ارتفاع منسوب التوتر، دخلت عبارة «الحرب الأهلية» في السجال السياسي الفرنسي بوصفها صورة مجازية للتعبير عن عمق الانقسام السياسي وحدته. فقد قال المرشح اليميني جيل بلاتريه، عند إطلاق حملته إنّ «الحرب الأهلية بدأت بالفعل»، مستنداً إلى التوترات الهوياتية والتطرف الإسلامي.

في المقابل، يرى معظم الباحثين أنّ هذا التوصيف مبالغة خطابية تُستخدم أداة تخويف انتخابي. فهم يقرّون بوجود استقطاب واضح واحتمال عنف سياسي وخطر مرتفع لأعمال الشغب وشل الخدمات الحيوية والاشتباكات مع الشرطة. لكنهم يستبعدون سيناريو نزاع مسلح داخلي واسع، بسبب قوة المؤسسات وتمسك أغلبية الفرنسيين بالإطار الديمقراطي.

وبحسب مصدر حكومي فرنسي لم يُكشف اسمه، فإنّ السيناريو الأرجح هو مواجهة مباشرة بين المعسكرين، وإنّ الخطر لا يقتصر على هوية الفائز، بل يشمل ردّ فعل الطرف الخاسر، إذ قد تنتقل المواجهة من صناديق الاقتراع إلى الشارع. فإنّ فوز اليمين قد يخرج اليسار إلى الشارع، وفوز اليسار قد يشعل غضب اليمين ويضاعف شعور شريحة واسعة من الفرنسيين بأنّ بلادهم تنتزع منهم. أما القوى الأمنية فستجد نفسها أمام مجموعات سياسية تعتبر الاحتجاج السياسي العنيف وسيلة مشروعة لفرض إرادتها

فرنسا لا تقف أمام انتخابات عادية، بل أمام استفتاء غير معلن على هويتها. جمهورية واحدة تتجه نحو شعبين ورؤيتين وشارعين لا يتحدثان اللغة السياسية نفسها. وقد يبقى الخلاف داخل صناديق الاقتراع، لكن حين يتحول الخصم السياسي إلى عدو في الخطاب العام، يصبح الاستقطاب هو الخطر الأكبر على الجمهورية. وسيُقاس ذلك بمؤشرات واضحة: اعتراف المرشح الخاسر بالنتيجة، وحجم الاحتجاجات في الأيام التالية للاقتراع، وقدرة الشرطة والمؤسسات على ضبط أي اضطرابات في الضواحي والمدن الكبرى.