فرنسا وجيل Z: ثورة في أساليب الاحتجاج
فرنسا وجيل Z: ثورة في أساليب الاحتجاج
جيل «زد» من الهاتف إلى الشارع في ساعات. وهنا تكمن قوته وثغرته معاً: فالحشد الذي يولد بسرعة الإشعار، لا يملك دائماً من يتحدّث باسمه حين تبدأ المفاوضات..
لم تعد المظاهرة في فرنسا مجرد حشود ترفع اللافتات وتسير في الشوارع. فمع الاحتجاجات الطلابية الأخيرة، يبرز تحوّل في أساليب الحشد والتعبير السياسي، يعكس ثقافة جيل Z الذي نشأ في عالم رقمي سريع، وأصبح قادراً على نقل غضبه من الهاتف إلى الشارع خلال ساعات، ومن تحويل قضية محلية إلى نقاش عام يتجاوز حدود بلاده.
ترتبط الاحتجاجات الطلابية بأسباب مباشرة، أبرزها الاعتراض على تراجع ظروف التعليم، ونقص المدرّسين والتجهيزات، والقلق بشأن المستقبل، إلى جانب قضايا سياسية واجتماعية أوسع، من بينها العلاقة بالشرطة وصعود اليمين المتطرف. لكن أهمية المشهد تتجاوز المطالب نفسها، لتطال الطريقة التي يعبّر بها هذا الجيل عن غضبه، والأدوات التي يستخدمها لفرض حضوره في الحياة العامة.
فرنسا، منذ الثورة الفرنسية عام ١٧٨٩ وصولاً إلى انتفاضة أيار ١٩٦٨، كانت من أبرز البلدان التي تحوّل فيها الشارع إلى قوة سياسية قادرة على فرض التغيير. ولا يعني ذلك أنّها المصدر الوحيد للحركات الشعبية، لكنها غالباً ما تقدم نماذج وشعارات تنتقل سريعاً إلى مجتمعات أخرى. ففي أيار ١٩٦٨، بدأت التحركات من الجامعات، ثم امتدت إلى قطاعات واسعة من المجتمع، لتتحول إلى أزمة سياسية واجتماعية كبرى. أما اليوم، فلم يعد انتقال الخبرة الاحتجاجية يحتاج إلى عقود أو إلى أحزاب ونقابات تتولى نقلها... فقد تكفي صورة مؤثرة أو مقطع مصوّر كي يصبح احتجاج محلي مصدر إلهام لشباب في بلدان أخرى.
أحد أبرز التحولات التي تميّز احتجاجات الجيل الجديد هو الانتقال من التنظيم التقليدي، القائم على الأحزاب والنقابات والقيادات المعروفة، إلى الحشد الرقمي المرن. فمجموعة صغيرة على «واتساب» أو منشور على «إنستغرام» قد يكونان كافيين لإطلاق تحرّك ينتشر بين المدارس والمدن، من دون الحاجة إلى قيادة مركزية واضحة. وفي هذا النموذج، لا يكتفي المتظاهر بالمشاركة، بل يصبح منظّماً ومصوّراً وناشراً في الوقت نفسه، ويساهم في صناعة الحدث وتحديد صورته أمام الرأي العام.
لكن هذه المرونة تحمل تناقضاتها أيضاً. فسرعة الحشد لا تعني بالضرورة القدرة على توحيد المطالب أو التفاوض باسم المحتجين. ومن يملك التأثير الحقيقي في حركة كهذه؟ أهي القيادات التقليدية، أم أصحاب الحسابات الأكثر متابعة، أم الأشخاص القادرون على حشد أكبر عدد في الشارع؟ قد تنجح الحركة في جمع الآلاف خلال ساعات، لكنها تجد نفسها عاجزة عن تحديد ممثلين عنها أو صياغة مطالب واضحة عندما يحين وقت التفاوض مع السلطة.
كذلك، لم تعُد اللافتة موجّهة إلى المسؤول وحده، بل إلى آلاف الأشخاص الذين سيشاهدونها عبر هواتفهم. لذلك يمزج جيل Z بين الشعارات السياسية والسخرية والموسيقى والصور اللافتة، ويستخدم لغة مختصرة يسهل تداولها وإعادة نشرها. وقد تصبح عبارة ساخرة أكثر تأثيراً في الفضاء الرقمي من خطاب سياسي طويل وعميق، فيما تتحول لقطة واحدة إلى رمز لحركة كاملة.
كما أصبحت مقاطع العنف الأمني والإصابات أدوات ضغط سياسي قادرة على توسيع التضامن وإحراج السلطات. فالمتظاهر لا يريد أن يسمعه المسؤول فحسب، بل يريد أيضاً أن يحرجه وأن يجعل تجاهله صعباً أمام الرأي العام.
ومن السمات اللافتة لدى بعض أفراد هذا الجيل التراجع عن التسليم التلقائي بسلطة الكبار والمؤسسات. فالأستاذ ليس فوق المساءلة لأنّه أستاذ، والشرطي ليس محقاً لمجرد ارتدائه الزي الرسمي، والقانون ليس بمنأى عن النقاش، وحتى سلطة الأهل باتت موضع اعتراض لدى معظم الشباب. يمكن القول، نقدياً، إنّ بعض أفراد جيل Z لا يحترمون أحداً بصورة تلقائية: لا أستاذهم، ولا الشرطي، ولا القاضي، ولا حتى أهلهم. لكن تعميم هذا الحكم على جيل كامل سيكون مجحفاً، لأنّ التشكيك بالسلطة ليس بالضرورة دليلاً على غياب الاحترام، بل قد يكون تعبيراً عن رغبة في الاستقلالية ورفض الوصاية.
وتواجه الحركات الطلابية معضلة أخرى: كيف تحافظ على زخمها من دون أن تطغى المواجهات والتخريب على مطالبها؟ فعندما تصبح صور الاشتباكات أكثر حضوراً من النقاش حول التعليم، وهذا ما يحدث في فرنسا حالياً، تتحول الحركة من الدفاع عن قضيتها إلى الدفاع عن نفسها. كما أنّ تعطيل المدارس قد يضرّ بالطلاب الذين خرجوا أصلاً للمطالبة بتحسينها، ولا سيما أولئك الذين لا يملكون بديلاً عن التعليم العام. لذلك، فإنّ نجاح الاحتجاج لا يُقاس فقط بعدد المشاركين أو بحجم التفاعل الرقمي، بل أيضاً بقدرته على تحقيق نتائج ملموسة.
تكشف الاحتجاجات الفرنسية، إذاً، عن جيل يمتلك أدوات حشد أسرع، ولغة أكثر مباشرة، وقدرة أكبر على فرض حضوره في المجال العام. لكنها تطرح أيضاً سؤالاً يتجاوز فرنسا: هل تكفي القدرة على التعبئة لإحداث تغيير سياسي مستدام؟
لقد علّمتنا فرنسا، في محطات عديدة من تاريخها، أنّ الشارع قادر على فرض الأسئلة التي تتجنّبها المؤسسات. أما التحدي أمام جيلZ، فهو الانتقال من الصورة إلى الفكرة، ومن الغضب إلى البرنامج، ومن رفض السلطة إلى تقديم بديل قادر على إقناع المجتمع. فليس كل تمرد تحرراً، وليس كل اعتراض فوضى. لكن الحرية التي يطالب بها الشباب لا تكتمل إلا بالمسؤولية، والاحترام الذي يطلبونه من الآخرين لا يمكن أن يكون علاقة من طرف واحد. فالتظاهر قد يفتح باب التغيير، لكنه لا يضمن وحده الوصول إليه، إذ يحتاج ذلك إلى وضوح في المطالب، وقدرة على التنظيم، واستعداد لتحمل المسؤولية.

