7 تشرين الأول ٢٠٢٣ .. حين انقلب السلاح على الجغرافيا
في السادسة والنصف من صباح ٧ تشرين الأول ٢٠٢٣، لم يكن يحيى السنوار يفتح معركة على حدود غزة فقط. كان رهانه أكبر: أن يحوّل الهجوم إلى زلزال إقليمي.
تدخل غزة الحرب أولاً، ثم يفتح حزب الله جبهة الشمال، وتشتعل الضفة، وتتسع المواجهة إلى جبهات أخرى. هكذا، في الحساب النظري، تجد إسرائيل نفسها أمام حرب متعددة الجبهات تستنزف جيشها وتضرب منظومة الردع التي بنتها طوال عقود.
لكن مسار الأحداث انقلب على الرهان الأصلي، الزلزال وقع فعلاً، وسرعان ما انقلب مساره على الرهان الذي أشعله. غزة دفعت الثمن الأول. دُمّرت أجزاء واسعة من القطاع، وقُتل أكثر من ٧٣ ألف فلسطيني وفق البيانات الفلسطينية، وتعرضت حماس لضربة عسكرية هائلة، من دون أن تختفي كقوة سياسية وأمنية.
ثم انتقلت الحرب إلى لبنان. قُتل حسن نصرالله وعدد كبير من قيادات حزب الله، وتضررت أجزاء كبيرة من بنيته العسكرية، وتحولت قرى الجنوب إلى ساحات قتال وتهجير. لم تعد الجبهة اللبنانية مجرد ورقة ردع في الحساب الإيراني؛ أصبحت هي نفسها ساحة تدفع كلفة الحرب.
ثم حدث ما كان يبدو قبل ٧ تشرين الأول أبعد الاحتمالات: انتقلت الحرب إلى إيران نفسها. قُتل علي خامنئي في ٢٠٢٦، وتعرضت طهران والمنشآت الإيرانية لضربات مباشرة. برنامجها النووي تحت الأنقاض وبحريتها دُمّرت، رغم أنّها ما زالت قادرة على إحداث فوضى عالمية عبر مضيق هرمز.
لكن إيران التي بنت جزءاً من أمنها الإقليمي على إدارة الصراع من خلال شبكة من الحلفاء والوكلاء، بحيث تمتلك عمقاً استراتيجياً خارج حدودها وتبعد المواجهة المباشرة عن أراضيها. هذه الشبكة تعرضت خلال السنوات الثلاث التالية لضربات متتالية، وأصبح أحد أهم عناصر القوة الإيرانية ــ أي القدرة على نقل الحرب بعيداً عن أراضيها أقل فاعلية. وتصف دراسات كارنيغي هذا التطور بأنّه ضربة لنموذج «الدفاع المتقدم» الإيراني، وانتقلت المنطقة تدريجياً من حروب الوكلاء إلى المواجهة المباشرة.
وهنا تظهر النتائج الجغرافية.
غزة، التي كان يفترض أن تكون منصة ضغط على إسرائيل، أصبحت ساحة مدمرة.
وجنوب لبنان، الذي مثّل لعقود قاعدة الردع الإيرانية المتقدمة على حدود إسرائيل، أصبح ساحة حرب وسيطرة متنازعاً عليها.
وسوريا، التي كانت حلقة الوصل الأساسية بين إيران وحزب الله، تغير موقعها في المعادلة الإقليمية.ثم وجدت إيران نفسها أمام حرب مباشرة على أرضها.
انقلبت وظيفة الجغرافيا؛ ما كان عمقاً استراتيجياً لإيران أصبح، بدرجات مختلفة، عمقاً مكشوفاً أمام القوة الإسرائيلية. أما إسرائيل، فبدلاً من أن تجد نفسها محاصرة بحرب متعددة الجبهات، حصلت على فرصة لإعادة تعريف أمنها بالقوة: من غزة إلى لبنان وسوريا، وصولاً إلى إيران نفسها. وهذا لا يعني أنّها حسمت الصراع أو صنعت نظاماً إقليمياً مستقراً، لكنه يعني أنّ الميزان العسكري والجغرافي تغير بصورة كبيرة لمصلحتها.
وبذلك لم يعد ٧ تشرين الأول مجرد هجوم فلسطيني على إسرائيل، ولا مجرد حرب إسرائيلية على غزة. لقد أصبح نقطة انطلاق لسلسلة من التحولات التي أصابت البنية الإقليمية التي بنتها إيران طوال عقود.
أراد السنوار تغيير وجه المنطقة، وقد نجح في تغييرها. لكن النتيجة الاستراتيجية جاءت مختلفة عما أراده: بدلاً من محاصرة إسرائيل وإسقاط منظومة ردعها، اتسع المجال الذي تتحرك فيه إسرائيل عسكرياً، وتضررت شبكة الوكلاء التي كانت تشكل العمق الإقليمي لإيران.
ولهذا، بعد ٧ تشرين الأول لا يُسأل هل نجح السنوار أم فشل؟ وخصوصاً بالنسبة إلى اللبنانيين والفلسطينيين، بل، من انهار بسبب هذا الزلزال، ومن خرج منه بمكاسب استراتيجية؟
الذي انهار بدرجة أكبر هو تماسك الشبكة ووظيفتها الأصلية.
فبدلاً من شبكة مترابطة تستطيع فيها كل جبهة أن تسند الأخرى، أصبحت الجبهات أكثر انشغالاً بالحفاظ على بقائها محلياً. حزب الله يحتاج إلى الدفاع عن مكاسبه في لبنان. حماس تحاول البقاء داخل غزة.وسوريا لم تعد الحلقة التي كانت عليها في عهد الأسد.
أراد السنوار أن يجعل إسرائيل تواجه المنطقة كلها، وأن يغيّر وجه الشرق الأوسط، وقد تغيّر فعلاً مع فارق بسيط. أنّ المنطقة نفسها تواجه نتائج الحرب، بينما إسرائيل تتسيّد وتعيد تشكيل المنطقة بالقوة فهل أدرك السنوار وزر ما اقترفته يداه قبل مقتله
