خطف الطائرات.. تخصّص لبناني

خطف الطائرات.. تخصّص لبناني

  • ٠١ تشرين الأول ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

«فلاي دبي» أعادت إلى الذاكرة المشهد القديم. الطائرة هبطت بسلام، ولم يخرج خاطف إلى الصحافة ليعلن مطالبه. لكن مجرد إشارة ٧٥٠٠ كانت كافية لتذكير اللبنانيين بزمن كان فيه خطف الطائرات واحداً من «اختصاصات» الحرب

في كل العالم، الطائرة المدنية اخترعت لاختصار المسافات. أما في لبنان، ففي مرحلة من مراحل تاريخه، اكتشف بعضهم وظيفة أخرى لها: أن تكون منصة سياسية، ووسيلة ضغط، ومسرحاً للإرهاب، وأحياناً غرفة احتجاز معلّقة في السماء.

ولذلك، عندما استنفرت إسرائيل اليوم بعد أن أرسلت طائرة «فلاي دبي» المتجهة من دبي إلى تل أبيب إشارة٧٥٠٠، وهي الإشارة الدولية التي تعني وجود تدخل غير مشروع أو احتمال خطف، لم يكن غريباً أن تعود إلى الذاكرة اللبنانية صورة الطائرات المخطوفة.

إنّ مجرد ظهور كلمة «خطف» إلى جانب طائرة متجهة من المنطقة إلى إسرائيل كان كافياً لاستدعاء تاريخ طويل. تاريخ يمكن للبنان، بكل أسف، أن يقول فيه إنّنا «أبدعنا»  في هذا النوع من الإرهاب.

فمنذ أواخر الستينيات وحتى الثمانينيات، ارتبط مطار بيروت وطائرات تنطلق منه أو تهبط فيه بعدد كبير من عمليات الخطف والمحاولات، بعضها نفذته فصائل فلسطينية، وبعضها لبنانيون، وبعضها مجموعات شيعية مسلحة. ولم تكن كل العمليات لبنانية المنشأ، لكن لبنان كان في كثير من الأحيان مسرحاً لها، أو محطة لها، أو المكان الذي تنتهي فيه. وفي إحدى مراحل الحرب، بدا أنّ الطائرة المدنية لم تعد مجرد طائرة مدنية، بل أصبحت جزءاً من أدوات الصراع السياسي والعسكري.

البداية الكبرى جاءت مع الفصائل الفلسطينية. ففي تموز ١٩٧٠، اختطف ستة مسلحين مرتبطين بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين طائرة «أولمبيك إيروايز» كانت قد أقلعت من بيروت باتجاه أثينا، وأجبروها على التوجه إلى بيروت، مطالبين بالإفراج عن فلسطينيين معتقلين في اليونان. وبعد أشهر، جاءت موجة خطف الطائرات التي نفذتها الجبهة الشعبية في أيلول١٩٧٠، وشملت طائرات عدة، بينها طائرة BOAC التي أُجبرت على التوقف في بيروت للتزود بالوقود قبل نقلها إلى مطار في الأردن.

وهكذا دخلت الطائرة إلى قاموس العمل المسلح في المنطقة: تخطفها جماعة، تغيّر وجهتها، تحتجز ركابها، ثم تعلن مطالبها أمام العالم. كان الإرهاب في تلك المرحلة يعرف جيداً قيمة الصورة التلفزيونية، وكان رهينة واحدة أمام كاميرا أحياناً أكثر تأثيراً من ألف بيان سياسي.

من بعدها، انتقلت العدوى إلى الداخل اللبناني نفسه. في كانون الثاني ١٩٨٠، ارتبطت عمليتا خطف طائرتين لبنانيتين بقضية الإمام موسى الصدر، الذي اختفى في ليبيا عام ١٩٧٨. في العملية الأولى، استولى فؤاد علي حمادة على طائرة تابعة لطيران الشرق الأوسط، وطالب بالتوجه إلى إيران أملاً في لقاء المرشد الأعلى الخميني ودفعه إلى التدخل لدى ليبيا لكشف مصير الصدر. ولكن انتهت العملية بالعودة إلى بيروت واستسلام الخاطف.

وبعد عشرة أيام فقط، استولى علي عيسى على طائرة تابعة لشركة طيران الشرق الأوسط في رحلة من بغداد إلى بيروت، مطالباً أيضاً بكشف مصير الصدر. وكانت النهاية أقرب إلى مشهد لبناني عبثي منها إلى عملية إرهابية بالمعنى التقليدي: انتهت المواجهة باستسلام الخاطف، بعد أن سُمح له بالحديث عن القضية أمام الصحافة العالمية في مؤتمر صحفي.

لم تتوقف الحكاية عند هذا الحد. ففي عام ١٩٨٥ وحده، شهد لبنان سلسلة من العمليات المرتبطة بالطائرات. في نيسان، اختطف لبناني طائرة تابعة لطيران الشرق الأوسط مطالباً بمبلغ ٣٠ مليون دولار، وانتهت العملية باستسلامه في جدة. وفي حزيران، اختطف خمسة مسلحين شيعة طائرة تابعة للخطوط الملكية الأردنية من بيروت، وطالبوا بإخراج المقاتلين الفلسطينيين من بيروت. تنقلت الطائرة بين قبرص وإيطاليا وبيروت، قبل أن يُطلق سراح الرهائن وتُفجّر الطائرة في مطار بيروت. وفي اليوم التالي، شهدت طائرة تابعة لطيران الشرق الأوسط محاولة خطف أخرى على خلفية العملية السابقة.

ثم جاءت العملية التي جعلت اسم لبنان مرتبطاً عالمياً بخطف الطائرات: TWA 847. ففي ١٤ حزيران ١٩٨٥، استولى مسلحان لبنانيان شيعيان على الطائرة أثناء رحلتها من أثينا إلى روما، وأجبراها على التوجه إلى بيروت. ومن هناك بدأت رحلة استمرت ١٧ يوماً بين بيروت والجزائر وبيروت، احتُجز خلالها عشرات الرهائن. وفي إحدى مراحلها، قُتل ضابط البحرية الأميركية روبرت ستِثم بعد تعرضه للضرب وإطلاق النار عليه، وأُلقي بجثمانه على مدرج مطار بيروت.

ارتبط منفذا العملية بعناصر من «حزب الله»، وتحدد لاحقاً اسم محمد علي حمادي كأحد المشاركين، بينما وصف الخاطفون بأنّهم من حزب الله أو من البيئة الشيعية المسلحة المرتبطة به.

وهنا تحديداً يصبح الفصل اللبناني من تاريخ خطف الطائرات أكثر قتامة. فالأمر لم يعد شاباً يحمل سكيناً يريد إيصال قضية إلى الخميني، ولا فصيلاً يريد الإفراج عن معتقلين. أصبحت الطائرة رهينة، والركاب رهائن، والمطار نفسه مساحة نفوذ تتقاسمها القوى المسلحة، فيما كانت الدولة اللبنانية عاجزة عن فرض سلطتها على الأرض.

واللافت أنّ هذا التاريخ لا يمكن اختزاله بحزب واحد. فقد استخدمت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وغيرها من الفصائل الفلسطينية خطف الطائرات كجزء من أسلوبها في العمل المسلح، وظهرت لاحقاً عمليات نفذها لبنانيون ومجموعات شيعية مرتبطة بحركة أمل أو بحزب الله أو ببيئات مسلحة أخرى.

لقد كانت المشكلة أعمق من الطائرات نفسها. فعندما تفقد الدولة احتكارها للسلاح، يصبح كل شيء قابلاً للتحول إلى أداة في الصراع: الشارع، والميناء، والمطار، والسيارة، والسفارة، وحتى الطائرة المدنية التي يفترض أن تكون أبعد الأماكن عن السياسة.

وهكذا أُدخل المدنيون في حروب لم يختاروها. الراكب الذي اشترى تذكرة للسفر وجد نفسه رهينة لمطلب سياسي لا يعرفه، والطيار الذي أقلع إلى وجهة محددة وجد نفسه مضطراً إلى التحول إلى سائق في خدمة الخاطفين، والمطار الذي يفترض أن يكون بوابة الدولة أصبح في أحيان كثيرة مسرحاً للميليشيات.

ربما لهذا تبدو حادثة «فلاي دبي» مختلفة رغم أنّها أعادت إلى الذاكرة المشهد القديم. الطائرة هبطت بسلام، ولم تتحول إلى رهينة سياسية، ولم يخرج خاطف إلى الصحافة ليعلن مطالبه. لكن مجرد إشارة ٧٥٠٠ كانت كافية لتذكير اللبنانيين بزمن كان فيه خطف الطائرات واحداً من «اختصاصات» الحرب التي أتقنها أكثر من طرف.

لقد «أبدعنا» في خطف الطائرات، لكن ذلك لم يكن إبداعاً يستحق الفخر. كان وجهاً آخر لمرحلة فقدت فيها السياسة معناها الطبيعي، فأصبح السلاح بديلاً عن الحوار، والرهينة بديلاً عن الحجة، والطائرة بديلاً عن المنبر.