290 سنة على المجمع اللبناني... لبنان تكوّن في دير

290 سنة على المجمع اللبناني... لبنان تكوّن في دير

  • ٠١ تشرين الأول ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

في ٣٠ أيلول ١٧٣٦ تكوّن شيء من لبنان: مدرسة، ومؤسسة، وذاكرة، ومجتمع يعرف أنّ بقاءه لا يكون بالسكن في الأرض فقط. وربما كان التعليم هو الوجه الأكثر حداثة في هذا المشروع.

في كل الدنيا تقريباً، تبدأ الدول من الدساتير، وتبدأ الأمم من الثورات، وتبدأ الكيانات من الحروب. أما لبنان، فقد يكون من البلدان القليلة التي يمكن أن نبحث عن بعض جذور تكوّنه في دير على سفح جبل، وفي اجتماع كنسيّ كان المشاركون فيه يكتبون جزءاً من مستقبل بلد لم يكن قد وُلد بعد بصيغته الحديثة.

منذ ٢٩٠ سنة بالتمام والكمال، في ٣٠ أيلول ١٧٣٦، انعقد المجمع اللبناني في دير سيدة اللويزة، وللتسمية رمزية واضحة: اسم جامع بدل اسم طائفي، كأنّه أولى الإشارات إلى كيان قادم.

في زمن لم تكن فيه الجمهورية اللبنانية قد وُلدت، ولا كان لبنان قد اتخذ حدوده السياسية المعروفة. كان جبل لبنان يعيش في ظل السلطنة العثمانية، وكانت الحياة العامة محكومة إلى حد كبير بتداخل السلطة الدينية والعائلية والإقطاعية. وسط هذا العالم، جاء مجمع اللويزة بمشروع إصلاحي يتجاوز الطقوس والشؤون الكنسية إلى إعادة تنظيم مجتمع كامل.

لم يكن المجمع مجرد اجتماع لرجال الدين. كان محاولة لجعل الكنيسة أكثر انتظاماً، والجماعة أكثر مؤسساتية. فقُسِّمت البطريركية إلى أبرشيات محددة، وأصبح لكل أبرشية أسقف مسؤول عنها، ووُضعت قواعد أوضح لإدارة الكنيسة وانتخاب البطريرك وتنظيم الأديرة والسجلات والأملاك. والأهم أنّ المجمع سعى إلى الحد من نفوذ العائلات النافذة في شؤون الكنيسة، في خطوة كانت تعني، في ذلك الزمن، انتقالاً تدريجياً من سلطة الإقطاع إلى سلطة المؤسسة.

لكن ربما كان التعليم هو الوجه الأكثر حداثة في هذا المشروع.

فالمجمع دعا إلى إنشاء المدارس في القرى والأديرة والأبرشيات، وتوفير المعلمين، وتشجيع الأهل على تعليم أبنائهم، فتياناً وفتيات، والاهتمام بالفقراء والأيتام. كما أعطى اللغة العربية مكانة أساسية إلى جانب السريانية. لم تكن المدرسة هنا مجرد مكان لتعليم القراءة والكتابة، بل كانت وسيلة لبناء إنسان جديد، يعرف دينه ولغته وتاريخه ومنطقته، وقادراً على حمل جماعته إلى المستقبل.

ومن هذه المدارس، ستخرج لاحقاً إحدى أهم القوى التي صنعت الحياة الثقافية اللبنانية: رجال الدين والمثقفون والمعلمون والصحافيون وأصحاب المهن الحرة، الذين ساهموا في النهضة الفكرية والأدبية والتعليمية التي عرفها لبنان في القرنين التاسع عشر والعشرين.

ولذلك، فإنّ صلة مجمع اللويزة بفكرة الكيان اللبناني لا ينبغي أن تُفهم بوصفها إعلاناً مبكراً عن قيام لبنان. لم يكن المجمع مشروع دولة، ولم يكن المشاركون فيه يتحدثون بلغة الجمهورية والحدود والسيادة كما نفهمها اليوم. لكنهم كانوا يفعلون شيئاً أكثر هدوءاً وأعمق أثراً. كانوا يبنون مجتمعاً منظماً، له مؤسساته، ومدارسه، وأبرشياته، وذاكرته، وصلاته بالأرض.

وهنا تكمن أهمية الدور الماروني في تكوين لبنان. فالكيانات السياسية لا تبدأ دائماً من القصور والدساتير. أحياناً تبدأ من المؤسسات الصغيرة التي تتراكم عبر الزمن حتى تصبح مجتمعاً قادراً على إنتاج دولة. وكان الموارنة، من خلال الكنيسة والأديرة والمدارس، جزءاً أساسياً من هذه العملية الطويلة.

لكن هذا التاريخ لا ينفي أدوار سائر الجماعات اللبنانية، ولا يجعل ولادة لبنان مشروعاً طائفياً أحادياً. فالكيان اللبناني، كما عرفناه لاحقاً، كان حصيلة تراكمات تاريخية شاركت فيها جماعات وطوائف ومدن وعائلات، وتداخلت فيها العوامل المحلية والإقليمية والدولية. غير أنّ فهم لبنان من دون فهم الدور الذي لعبته الكنيسة المارونية في بناء المجتمع والمؤسسات يبقى فهماً ناقصاً.

بعد ٢٩٠ عاماً، تبدو اللويزة أبعد من مجمع كنسي. إنّها لحظة من لحظات انتقال الموارنة من جماعة تحيا في الجبل إلى جماعة تبني مؤسساتها في الجبل، وتستثمر في التعليم، وتنظم علاقتها بالأرض وبالمجتمع وبالعالم.

في ٣٠ أيلول ١٧٣٦، لم يولد لبنان. لكن في ذلك الدير، وبين رجال دين كانوا يفكرون في مستقبل كنيستهم، تكوّن شيء من لبنان: مدرسة، ومؤسسة، وذاكرة، ومجتمع يعرف أنّ بقاءه لا يكون بالسكن في الأرض فقط، بل ببناء الإنسان الذي يستطيع أن يحمل مجتمعه إلى الغد.