حين تتحوّل الإطلالة التلفزيونية إلى مراوغة والتحليل إلى تكرار مملّ

حين تتحوّل الإطلالة التلفزيونية إلى مراوغة والتحليل إلى تكرار مملّ

  • ٢٩ أيلول ٢٠٢٦
  • أنطوان الخوري طوق

المحلل يفترض أن يضيف طبقة من الفهم إلى الخطاب السياسي، لا أن يعيد إنتاج الخطاب نفسه بلغة أكثر تفصيلًا.

المشكلة في الإطلالات التلفزيونية للكتاب الصحفيين والمحلّلين الدائرين في فلك حزب الله ليست في تبنيهم موقفاً سياسياً محدداً لأنّ هذا حقّهم الطبيعي والمشروع بل في استخدامهم أنماطاً متكررة من المراوغة واللعب على المصطلحات وسياقات الكلام التي تجعل النقاش يدور حول السؤال دون الوصول إليه أو الإجابة عنه عدا عن افتقارهم إلى المعلومات لأنّ خيارات الحزب ثابتة في خضوعها للإملاءات الإيرانية وعصيّة على المراجعة النقدية، لذا يقعون في التكرار الإنشائي المملّ في توصيف همجية إسرائيل، وسياساتها التوسعية وتاريخها العدواني لأنّ تحليلاتهم تقوم على الإنتظار واحتمالاته: انتظار المفاوضات الأميركية- الإيرانية، انتظار هزيمة ترامب في الانتخابات النصفية، انتظار خسارة نتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة وكأنّ البديل أقلّ همجية وتوسّعاً وأكثر رحمة، وانتظار إفشال المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، وما ستؤول إليهالأمور في هرمز وباب المندب.

أول أنماط المراوغة هو تحويل السؤال: إذ عندما يُسأل المحلّل عن كلفة الحرب على اللبنانيين جميعاً وعلى الشيعة تحديداً، فإنّه لا يجيب عن الكلفة إنّما يتحدّث عن الخطر الإسرائيلي والاحتلال وتلذّذ الجيش الإسرائيلي بالجرف والتدمير، وعندما يُسأل عن احتكار قرار الحرب يعود إلى تاريخ الصراع، وعندما يُسأل عن النتائج يبدأ بتعداد خسائر إسرائيل التي لا تُقارن بالخسائر اللبنانية.

وهكذا ينتقل النقاش من السؤال المطروح إلى سؤال أكثر ملاءمة لموقفه السياسي ..

ثانيها، هو حجة «ماذا لو؟» إذ يُقال إنّ إسرائيل كانت ستهاجم لبنان حتى ولو لم تبدأ المقاومة الحرب، وفي نيّتها التوسّع لو لم تُواجه بمقاومة، ويستدلّون على ذلك بالتحضيرلإغتيال السيد حسن نصر الله، وتحضيرات تفجيرات البيجر.

لكن الاحتمال المستقبلي لا يثبت وحده بأنّ الحرب التي وقعت كانت ضرورية أو أنّ نتائجها كانت أفضل من البدائل الممكنة، فتحويل الاحتمال إلى يقين هو طريقة لإغلاق النقاش قبل فحص البدائل.

ثالثها، هو الاستناد إلى النيّات بدل النتائج، يكفي القول أحيانًا إنّ الهدف هو ردع إسرائيل وحماية لبنان أو منع إسرائيل من فرض شروطها أو تحقيق أهدافها، ثم يعامل الاحتمال نفسه وكأنّه نتيجة محققة، لكن النوايا شيء والنتائج شيء آخر، فالتقييم يبدأ حين نسأل ماذا تحقق فعلاً، هل نجح الردع؟ وهل نجحت الحماية؟

رابعها، هو انتقاء معايير النجاح، إذا صمد الحزب يعتبر ذلك نجاحًا، وإذا تكبدت إسرائيل خسائر بشرية أو خسائر في العتاد تصبح تلك الخسائر دليلاً إضافياً،  لكن عندما يتعلق الأمر بالنزوح وبالدمار والخسائر البشرية يتغير معيار التقييم أو يختفي. ورغم كل هذا الخراب وأعداد القتلى يصرّ الشيخ نعيم قاسم على مقولة الانتصار في الحرب الدائرة وعلى تخزين الغضب.

فالدولة العاجزة عن حماية الجنوب كيف لها أن تعيد الإعمار وتجبر العدو على الإنسحاب؟ المشكلة هنا ليست في اعتبار الصمود نتيجة مهمة بل في عدم استخدام المعيار نفسه عند احتساب الكلفة.

خامسها، هو المقارنة بالأسوأ: بدلاً من الإجابة عن سؤال ماذا حقّقت الحرب؟ يطرح المحلّل سؤالاً آخر: ماذا كان سيحدث لو لم يخُض حزب الله الحرب؟

ثم تُبنى الإجابة على أسوأ سيناريو مفترض، وبهذه الطريقة لا تُقارن الحرب بخيارات واقعية وإنّما بسيناريو كارثي إفتراضي.

سادسها، هو الإحتماء بالتاريخ: كلما أصبح السؤال متعلقاً بنتائج الحرب الحالية يجري استدعاء الإحتلالات والإعتداءات السابقة منذ ١٩٦٧ مروراً ب ١٩٧٨، و١٩٨٢ وصولاً إلى ٢٠٠٦ ومن ثم إلى القرار ١٧٠١ كما يجري استدعاء تاريخ إسرائيل،  والتاريخ  هنا ضروري في فهم السياق، لكنه لا يمكن أن يكون إجابة عن نتائج حرب محددة أو عن مسؤولية قرار محدّد.

سابعها، هو نقل عبء الإثبات إلى المنتقد: بدلاً من إثبات أنّ الحرب قد حقّقت أهدافها أو أنّ استمرارها يمنع خطراً محدداً يُطلب من الطرف الآخر أن يثبت بأنّ إسرائيل لم تكن ستعتدي، وهنا يصبح المطلوب إثبات نيّة لم تقع بينما لا يُطلب من صاحب القرار تقديم أدلّة مماثلة على البديل الذي اختاره.

ثامنها، هو تجزئة المسؤولية: عندما تكون هناك نتائج إيجابية فإنّها تُنسب إلى قرار المقاومة، وعندما تكون هناك خسائر تُفسّر باعتبارها نتيجة للعدوان الإسرائيلي وحده، لكن التقييم الجدّي يحتاج إلى فصل الأمور: ما الذي نتج عن قرار الحرب؟ وماذا نتج عن ردّ العدو؟ وما الذي كان يمكن توقعه؟ ومن يتحمّل مسؤولية كل قرار وكل نتيجة؟ 

وما يدعو للإستهجان هو إلقاء المسؤولية على الدولة التي أمعنوا بإضعافها، والتي لا يعترفون لها بأي دور في قرار الحرب والسلم ثم تُتلى معزوفة تحميلها مسؤولية الإنسحاب الإسرائيلي وإعادة الإعمار وتحرير الأسرى، وكأنّها هي المسؤولة عن إشعال الحرب. عدا عن مطولات السباب والشتيمة بحقّ السلطة القائمة علماً أنّهم جزء منها، وعدا عن الإنكار وتجاهل وجع الناس واعتبار ذلك أضراراً جانبية وأثماناً لا بدّ من دفعها.

تاسعها، موضوع التبعية للخارج: عندما يُسأل عن التبعية لإيران وبالتحديد للحرس الثوري، سرعان ما يتحوّل الحديث إلى الإملاءات الأميركية والإسرائيلية، وإلى اتهام السلطة اللبنانية بالتبعية للسعودية عدا عن وصف المنتقدين بالعمالة والخيانة والتفريط بحقوق اللبنانيين وبالمقاومة نفسها، وكل ذلك دون الإجابة عن السؤال المتعلق بالتبعية لإيران أو التبرؤ منها، ودون أيّ أمل بفك هذا الإرتباط بالأجندة الخارجية مع الاستمرار في التأكيد على الثوابت وفي تخوين الدولة اللبنانية.

هذه الأنماط لا تعني أنّ كل حجج المؤيدين لحزب الله غير صحيحة، لكنها تصبح مشكلة عندما تتكرر إلى درجة تجعل الحوار غير قابل للاختبار. فالتحليل السياسي الجيد لا يُقاس بقدرته على الدفاع عن موقف مسبق، بل بقدرته على مواجهة الأسئلة التي يصعب على هذا الموقف الإجابة عنها.

وعندما يكرر المحلل الإجابة نفسها مهما تغيّر السؤال، ومهما تبدّلت الوقائع والأحداث والنتائج، فإنّه ينتقل تدريجيًا من موقع المحلل إلى موقع الطرف في السجال. عندها يصبح تكرار المعلومة المحفوظة والمعلّبة بديلًا عن النقاش الحقيقي، وتتحول الإطلالة التلفزيونية إلى مجرد إعادة بث للموقف السياسي نفسه.

فالمشكلة ليست في الإطلالات التلفزيونية بحد ذاتها، ولا في انحياز أصحابها، بل في ضعف المسافة النقدية بين المحلل والموقف الذي يدافع عنه. فالمحلل يفترض أن يضيف طبقة من الفهم إلى الخطاب السياسي، لا أن يعيد إنتاج الخطاب نفسه بلغة أكثر تفصيلًا.

وليس المطلوب إقناع الآخر بأنّ إسرائيل غير خطيرة، ولا إقناعه مسبقًا بأنّ المقاومة هي الحل، بل تقديم تحليل قادر على الإجابة بوضوح عن الأسئلة الأساسية: ما طبيعة الخطر؟ ما الهدف؟ ماذا تحقّق؟ ماذا خسر لبنان؟ وهل تتناسب النتائج مع الكلفة؟

عندها فقط يتحول الظهور التلفزيوني من استعراض للمعلومات المحفوظة إلى تحليل يستحق أن يُستمع إليه. فالتحذير من أطماع إسرائيل لا ينبغي أن يكون بديلًا عن مناقشة كلفة الحرب، كما أنّ الاعتراف بكلفة الحرب لا يعني تجاهل الخطر الإسرائيلي. فالمشكلة ليست في التحذير، ولا في حقّ اللبنانيين في الدفاع عن أرضهم، بل في استخدام هذا التحذير إلى إجابة جاهزة تُغلق النقاش قبل أن يبدأ.

فعلى المحلل أن يجيب عن الأسئلة التالية: هل كل حرب تمنع حربًا أخرى؟ وهل القتال هو الوسيلة الوحيدة لحماية لبنان؟ ومن يقرّر أنّ كلفة الحرب الحالية أقل من كلفة الخطر المُراد تجنبه؟

لذا يُلاحظ في كل الإطلالات غياب المراجعة النقدية. فالتحليل يفترض أن يتغير عندما تتغير الوقائع وتتطور الأحداث، ويُفترض إعادة إختبار الفرضيات في ضوء النتائج. ولا يكفي، مثلًا، القول إنّ «الحزب لم يُهزم»، «الحزب صمد في الميدان»، «الحزب منع إسرائيل من تحقيق أهدافها»، هذه الإجابات جاهزة تصلح لكل سؤال ولكل ظرف.

فالبلاد التي دفعت أثمانًا باهظة نتيجة الحروبوالإرتباطات الإقليمية تحتاج إلى نقاش عام يتجاوز تكرار المواقف الإنشائية الشعبوية، وتحتاج إلى أسئلة وأجوبة صعبة، وإلى التمييز بين ما يراه الحزب إنجازًا، وبين ما يمكن للبنانيين، بمختلف مواقفهم، أن يعتبروا أنّه تحقق لهم فعلًا.

فالمحلل الحقيقي لا يكتفي بتفسير الأحداث من وجهة نظر واحدة، ولا يكتفي بإبراز النتائج التي تخدم الموقف الذي يتبناه، إنّما عليه الإعتراف بالنتائج التي تخدم موقفه والتي لا تخدمه. كما عليه أن يضع الإنجازات والكلفة في كفتي الميزان، وأن يشرح للمشاهد ما الذي تغير منذ آخر إطلالة له، وما الذي يستدعي مراجعة الموقف إذا تمّت المراجعة.

كلّ هذه الأنماط تشي بانسداد الأفق وتفاقم المعاناة وبعجز اللبنانيين عن فك إرتباطهم بأزمات الإقليم وبالصراعات الدولية.