باسيل و«المكحكحين».. هل بدأ يتنصّل من إرثه؟
باسيل و«المكحكحين».. هل بدأ يتنصّل من إرثه؟
) هل اختيار جبران باسيل لألفاظه مؤخرًا محاولة للتنصّل من مسؤوليته الأخلاقية والسياسية عن الشرعية التي منحها سابقًا لسلاح حزب الله؟
«مكحكحين ومهجّرين ومهاجرين ومفلسين، وللأسف قسم كبير من شعبنا مستسلمين ومتيئسين» بهذه الكلمات، لم يصِف جبران باسيل خصماً سياسياً عابراً، بل عمّم صورة لحال الشيعة في لبنان، لم تُسرَّب هذه المرة عبر تسجيل مكتوم، بل بُثّت مباشرة على الهواء، أمام لبنان بأكمله.
من «زلة لسان»إلى أزمة طائفية
حاول العونيون تبرير العبارة بأنّها «سوء تعبير» لا أكثر، لكن حزب الله لم يقتنع بذلك. فالجملة، مهما حاول أصحابها تدويرها، لم تعُد نقاشاً سياسياً بين تيار وحزب، بل تحوّلت في الوجدان الشعبي إلى إهانة مباشرة للشيعة والجنوبيين، طائفة بأكملها، لا خصماً سياسياً بعينه.
اكتفى الحزب رسمياً بإرسال «معاتبة» إلى باسيل، خطوة لا تتناسب مع حجم الغضب الذي أشعلته الجملة. لكن بينما كانت القيادة تُدير الخلاف بلغة العتاب، كانت الحرب الحقيقية قد اندلعت بالفعل على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث لا عتاب.
الشارع تولى الرّد
انهالت الشتائم على باسيل: «واطي»، «حقير»، وأقل ما قيل فيه. صوره انتشرت مرفقة بعبارة أشبه بالتهديد المؤجل: «حفظوه منيح يا شيعة، وخزّنوا الغضب.»
إعلاميّو الحزب، من جهتهم، لم يكتفوا بالرد اللفظي، بل استعادوا الأرشيف: الملايين التي تقاضاها باسيل وعمّه الرئيس السابق ميشال عون. أما الصحافي حمزة الخنسة، في جريدة الأخبار، فذهب أبعد من ذلك، متهماً رئيس التيار الوطني الحر بتبنّي الخطاب الإسرائيلي، وواصفاً إياه بـ«المكحكح سياسياً وأخلاقياً» ليقلب عليه سلاحه بلغته نفسها.
منطق الدائن والمدين
لم تعد المسألة محصورة بين تيارين أو حزبين، ولا بين باسيل ومن يختلف معه سياسياً. الاشتباك انزلق إلى مكان آخر تماماً: فتحت الجملة باباً طائفياً، وتحوّلت المواجهة السياسية إلى مادة اشتباك تقوم على «منطق الدائن»، حيث بدأت بعض الأصوات الشيعية «يمنّون» على المسيحيين بأنّهم من أنعش اقتصاد مناطقهم.
والمفارقة اللافتة أنّ حزب الله الرسمي على عكس قواعده وإعلامييه لم يُصدر أي إدانة مباشرة لكلام باسيل، رغم أنّه طال الأمين العام نعيم قاسم شخصياً، والطائفة الشيعية بأكملها. صمت يطرح أسئلة لا تقل أهمية عن الجملة نفسها: هل يدير الحزب الأزمة بعقلانية محسوبة، أم أنّه يفضّل ترك الشارع يقوم بالمهمة بدلاً منه؟
هذه ليست المرة الأولى
فباسيل، الذي يُقدَّم أحياناً كرجل «الزلات اللغوية»، له سجل حافل في هذا النوع من التصريحات. ففي عام ٢٠١٨، وصفه لنبيه برّي بـ«البلطجي» كان كافياً لإشعال أزمة حقيقية بين التيار الوطني الحرّ وحركة أمل، امتدت من الصالونات السياسية إلى الشارع.
اليوم، يتوسّع الوصف ليشمل الشيعة جميعاً: «مكحكحين، مهجّرين، مهاجرين، مفلسين» الى جانب تحميل الحزب مسؤولية دمار البلد، ونعته بـ «العاجز».
أبعد من الحادثة
فهل هي فعلاً «زلة لسان» أخرى، ستُطوى كسابقاتها بمصافحة عابرة بين القادة أمام الكاميرات؟ أم أنّ جبران باسيل، هذه المرة، يتعمّد انتقاء ألفاظه، في محاولة لمحو عقود من الشرعية التي منحها خطاب التيار لسلاح حزب الله وحضوره خارج مؤسسات الدولة.
ف«تفاهم مار مخايل» لم يكن خطأ عابرًا، بل قرارًا واعيًا بتسليم الشرعية المسيحية لمشروع مسلح خارج الدولة. عون وباسيل لم يتفاهما مع حزب الله، بل انتدبا نفسيهما ناطقين باسم سلاحه أمام بيئة كانت الأكثر قابلية لرفضه ومواجهته، فحوّلا الاستثناء المسلح إلى قاعدة، والازدواجية الدستورية إلى «توازن وطني»، ومن يبحث اليوم عن تبرئة متأخرة، عليه أولاً أن يعترف بحجم هذا الغطاء، لا أن يكتفي بتبديل المفردات بينما موقعه في السلطة لا يزال مبنيًا على التفاهم نفسه، لا على القطيعة معه.
وفي الخلاصة، الإجابة، كما العادة في لبنان، قد لا تأتي من التصريحات، بل من الصمت الذي يليها.

