«شو هالحزب الترللي؟»

«شو هالحزب الترللي؟»

  • ٢١ أيلول ٢٠٢٦
  • خاص بيروت تايم

قسم مع أسعد حردان، وقسم مع ربيع بنات، وقسم مع المجلس الأعلى، وآخر مع علي حيدر. الحزب القومي السوري مرتبك في تعريف نفسه...

كان أنطون سعاده يحلم بحزب يصنع نهضة أمة، فإذا بالحزب السوري القومي الاجتماعي يتحول، بعد انقسامه الخامس تاريخياً، إلى مشهد سياسي يكاد يذكّر بأغنية: «شو هالحب الترللي؟ ماخد كل شي ولا مخلي». الفرق أنّ الأغنية تتحدث عن حبّ مرتبك، أما هنا فنحن أمام حزب مرتبك في تعريف نفسه، وفي تحديد من يمثله، ومن يملك شرعيته، وإلى أين يريد أن يذهب.

قسم مع أسعد حردان، وقسم مع ربيع بنات، وقسم يستند إلى المجلس الأعلى الذي أقال مؤخراً حردان، وآخر مع علي حيدر، فيما تتوالد الاصطفافات والمرجعيات كزخات المطر. وهكذا يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً ليس: أين أصبحت النهضة السورية القومية الاجتماعية؟ بل: ماذا بقي من الحزب؟

وفي خضم هذا المشهد، يأتي بيان المجلس الأعلى ليؤكد أنّ قوة الحزب لا تقوم على الأشخاص والمواقع، بل على المؤسسات والدستور. عبارة جميلة ومبدئية، لكنها تصبح أكثر إثارة للتأمل عندما تتعدد القيادات، وتتوزّع الشرعيات، ويتحول الدستور من مرجع جامع للبعض إلى موضوع تتنازع الأطراف حق تفسيره وتمثيله.

غير أنّ مأزق الحزب أعمق من صراع الأشخاص والمواقع. فهناك مسافة متزايدة بين العقيدة التي تأسّس عليها وبين المجتمع الذي يعيش فيه. عقيدة صيغت في سياق تاريخي مختلف، وتحمل تصوراً قومياً شاملاً للدولة والمجتمع والأمة، تبدو اليوم في جوانب منها بعيدة عن أسئلة الواقع وتحولاته وتعقيداته. وحين تصبح العقيدة غريبة عن البيئة الاجتماعية التي يفترض أن تحملها، يصبح الحفاظ على التنظيم صعباً إن لم تُحدَّث العقيدة.

ثم تأتي الديمقراطية الداخلية لتضيف مفارقة أخرى. فالحزب يريد الانتخابات وتداول المسؤوليات ويقيمها دائماً، وهذا يفترض أن يكون عنصراً من عناصر الحيوية المؤسسية. لكن الانتخابات، عندما تجري داخل تنظيم يعاني أصلاً من أزمة فكرية وتنظيمية، لا تنتج دائماً وحدة، بل فرقاً وأجنحة واصطفافات، ويصبح كل استحقاق انتخابي مناسبة لإعادة رسم خريطة الولاءات.

يفوز طرف، فيتمسك بشرعيته. يخسر طرف، فيتمسك بتفسيره للدستور. ثم يظهر جناح ثالث يقول إنّ المؤسسات هي المرجع، ورابع يتمسك بمرجعية أخرى. وبعد كل ذلك، يعود الجميع إلى التأكيد أنّ الحزب واحد فيما هم منقسمون.

وهنا تصبح كلمات الأغنية أكثر ملاءمة للواقع من كثير من البيانات الحزبية: «ماخد كل شي ولا مخلي». فالحزب أخذ من التاريخ اسمه، ومن العقيدة شرعيته، ومن الانتخابات آليتها، ومن المؤسسات لغتها، لكنه ترك للمراقب سؤالاً بسيطاً: أين المشروع الذي يجمع كل هذه العناصر؟

شو هالحزب الترللي؟ حزب أراد أن يغيّر تاريخ الأمة، فإذا بتاريخه الداخلي يحتاج إلى مؤرخين، ولجانه تحتاج إلى لجان، وشرعياته تحتاج إلى شرعية، وربما يحتاج انتخاب رئيس جديد إلى مراقبين دوليين للتأكد من أنّ عدد المرشحين لم يتجاوز عدد القوميين الذين يعترفون بنتيجة الانتخابات.

الحزب بات يعيش في بيئة لا تفهمه، في سوريا ولبنان، والمشكلة أنّ الحزب يبدو عاجزاً عن تحويل المنافسة الداخلية إلى تداول سلمي للمسؤولية، والاختلاف إلى تجديد فكري، والانتخابات إلى وسيلة لتوحيد التنظيم لا إلى مناسبة لإنتاج جناح جديد.

وهكذا يصبح الحزب السوري القومي الاجتماعي أشبه بمسرح سياسي تتعدد فيه الرئاسات، بينما يغيب المشهد الذي يفترض أن يكون في الواجهة: حزب موحد، عقيدة قادرة على مخاطبة عصرها، مؤسسات فاعلة، ومشروع يتجاوز صراع المواقع.

وفي النهاية، قد يكون أكثر ما يلخص حال الحزب اليوم ليس بياناً سياسياً ولا مادة دستورية، بل ذلك السؤال الغنائي الساخر: «شو هالحب الترللي؟»

فإذا كان الحب يأخذ كل شيء ولا يترك شيئاً، فإن الحزب، في حالته الراهنة، يبدو كأنّه أخذ من الانقسامات كل ما فيها، ولم يترك للوحدة إلا الاسم.

والسؤال الذي يبقى، بعيداً عن كل الرئاسات والمجالس والانتخابات، هو الأهم: هل ما زال الحزب يبحث عن نهضة الأمة، أم أنّ الأمة أصبحت ذريعة لاستمرار الحزب في البحث عن نفسه؟