لماذا يفرح معظم اللبنانيين لهزيمة حزب الله؟
لماذا يفرح معظم اللبنانيين لهزيمة حزب الله؟
الجواب لا يبدأ من لحظة الهزيمة الأخيرة في مرتفعات علي الطاهر وحدها.
قد يبدو غريباً، بل مؤلماً، أن يفرح لبناني عندما يخسر حزب لبناني موقعاً أو معركة. لكن قبل إدانة هذا الفرح أخلاقياً، ربما يجدر بنا أن نسأل: كيف وصل جزء من اللبنانيين أصلاً إلى هذه النقطة؟ كيف تحوّل حزب كان يقول إنّه يحمي لبنان إلى جهة يتمنى معظم اللبنانيين أن تتلقى الهزيمة على يد إسرائيل؟
الجواب لا يبدأ من لحظة الهزيمة الأخيرة في مرتفعات علي الطاهر وحدها، بل من تراكم طويل في علاقة حزب الله بجزء كبير من المجتمع اللبناني.
هناك لبنانيون لم يعودوا يرون في الحزب مجرد تنظيم عسكري يختلفون معه في السياسة، بل يرون في سلوكه نموذجاً لمنظمة تحتل الدولة. يرون حزباً يمتلك السلاح، ويقرر الحرب والسلم، ويشارك في معارك خارج الحدود، ثم يطلب من بقية اللبنانيين تحمّل نتائج خيارات لم يشاركوا في اتخاذها. وعندما يعترض أحد، لا يكون الرّد دائماً سياسياً، بل كثيراً ما يتحول الاعتراض إلى تخوين، واتهام بالعمالة، أو تشكيك في الوطنية مترافق مع كم طويل من الشتائم.
وهناك من لم ينسَ لغة التخويف التي رافقت سنوات طويلة من الحياة السياسية اللبنانية: إما أن تقبلوا بخيارات المقاومة كما هي، أو أنّكم في المعسكر الآخر. إما أن تصمتوا، أو تصبحوا جزءاً من المؤامرة. هذه الثنائية تركت لدى كثيرين شعوراً بأنّهم لا يعيشون في دولة يتساوى فيها المواطنون، بل في بلد يُطلب منهم فيه أن يتعايشوا مع قوة مسلحة لا يملكون حق مساءلتها.
ثم جاءت سلسلة الاغتيالات الداخلية وتجربة ٧ أيار، وما رافقها من استخدام للسلاح في الداخل، لتترك جرحاً سياسياً عميقاً لدى فئة من اللبنانيين. وبعدها جاءت المشاركة في الحرب السورية، بما حملته من كلفة بشرية وسياسية وانقسام داخلي، ثم استمرار ربط القرار اللبناني بحسابات إقليمية أوسع من حدود لبنان.
لهذا، عندما يشاهد بعض اللبنانيين اليوم تراجع حزب الله أو خسارته موقعاً عسكرياً، فإنّ فرحتهم ليست حباً بإسرائيل. قد تكون، في جزء منها، فرحة بسقوط صورة القوة التي طالما قيل لهم إنّها لا تُهزم، وبانكشاف حدود القوة التي فُرضت عليهم باعتبارها قدراً لا يجوز مناقشته.
المشكلة أيضاً في السلوك الذي رافق الانتصارات والهزائم. فعندما ينتصر الحزب، يُطلب من الجميع الاعتراف بأنّ الانتصار انتصار للبنان. وعندما يخسر، يصبح المطلوب أحياناً البحث عن صياغات أخرى: انسحاب تكتيكي، إعادة انتشار، مناورة، أو مؤامرة إعلامية. وعندما يسأل اللبناني: لماذا وصلنا إلى هنا؟ قد يجد نفسه أمام الشتيمة أو التخوين بدلاً من الإجابة.
وهنا تحديداً يتراكم الغضب. فالناس لا تحاسب فقط على النتيجة، بل على طريقة التعامل مع النتيجة. هناك فرق بين حزب يقول لجمهوره: أخطأنا في التقدير، وهذه هي المسؤولية وهذه هي المراجعة، وبين خطاب يحاول تحويل كل خسارة إلى انتصار، وكل سؤال إلى خيانة، وكل منتقد إلى عميل.
لذلك، فإن فرح معظم اللبنانيين ليس بالضرورة فرحاً بالهزيمة العسكرية بحد ذاتها، بل فرحاً بهزيمة منظومة سياسية وسلوكية عاشوا تحت ضغطها سنوات طويلة. منظومة السلاح والتعجرف والقوة والشتائم.
ومع ذلك، يبقى هذا الفرح إشكالياً عندما يتحول إلى شماتة بلبنانيين آخرين أو إلى قبول بالاحتلال الإسرائيلي. إنّ معظم اللبنانيين يريدون أن تكون الهزيمة والانتصار للدولة اللبنانية، لا لحزب يقرر وحده متى يحارب ومتى يفاوض ومتى يصمت.
وربما لهذا السبب تحديداً، فإن السؤال الحقيقي لا يعود: «كيف يفرح لبناني لهزيمة حزب الله؟» بل: «ماذا فعل حزب الله بلبنان حتى أصبح معظم اللبنانيين يرون في ضعفه أملاً باستعادة دولتهم؟» هذا تساؤل يستحق أن يُطرح، لا أن يُقمع بالتخوين والمزيد من الشتائم.

