الجيوش الالكترونية وعبادة الزعيم: الأمية السياسية ومأزق الوعي السياسي
الجيوش الالكترونية وعبادة الزعيم: الأمية السياسية ومأزق الوعي السياسي
الجيوش الإلكترونية أداة لإنتاج إحساس مصطنع بالأغلبية وليس فقط لنشر الدعاية. إذ تتحوّل الى شرطة إيديولوجية تراقب حدود ما يمكن قوله وما لا يمكن قوله
التبعية السياسية تعني أن يصبح الشخص مرتبطاً بشخصية سياسية أو بحزب الى درجة يفقد معها استقلالية رأيه وحكمه على الأمور بحيث يؤيد زعيمه أو حزبه مهما كان موقفه ولو كان خاطئاً، ومتقلباً ويرفض أي نقد للشخصية أو للحزب أو للزعيم ويعتبره هجوماً شخصياً، ويحكم على الناس وفق انتمائهم: «معنا» أو «ضدنا» فيبرّر أخطاء فريقه ويضخّم أخطاء الخصوم ولا يتلقى معلوماته إلا من مصادر حزبية فيضحي الولاء للشخص أو للحزب أقوى من الولاء للمبادىء وللمصلحة العامة، وتكبر المشكلة عندما يتحوّل الانتماء الحزبي الذي هو حقّ من حقوق الإنسان الى إلغاء لدور العقل والتفكير النقدي، فالتبعية في العصر الرقمي تنتج عقولاً إلكترونية إذ يستبدل الوعي بالولاء المطلق فتنتشر الأمية السياسية
الجيوش الإلكترونية ظاهرة خطيرة إذ تنقل السياسة من النقاش حول الأفكار والبرامج الى منطق الولاء والعداء الشخصي فيتحول السياسي من شخص يمكن محاسبته الى رمز فوق النقد والمساءلة لأنّ أي انتقاد له يصبح وكأنّه اعتداء على الطائفة أو الجماعة. وبدل مناقشة موقف الخصم أو برنامجه تجري شيطنته كما يجري الإطباق عليه عبر الشتيمة والسباب والتكفير والتخوين والعمالة والفساد وذلك بحسب هوية الجهة التي تهاجمه
فلا حاجة لأن يكون لك رأي أوموقف فالزعيم يفكّر ويقرّر وإنت عليك فقط أن تتبعه (لا تفكر نحنا منفكر عنك) وهنا يتمّ قتل النقاش السياسي: المواطن ينشغل ب «مين مع مين» و«مين ضد مين» بدل أن يسأل: ما المشروع؟ ما القانون؟ ما النتائج؟ ومن يتحمّل المسؤولية؟ وبذلك يُعاد إنتاج الأمية السياسية: فالشخص قد يكون ناشطاً على مواقع التواصل الاجتماعي ولكنه لا يعرف الفرق بين الدولة والحكومة أو بين السلطة والمعارضة أو بين الموقف السياسي والمصلحة العامة أو بين الوقائع والحقائق التاريخية
وتبدأ المشكلة عندما يتحوّل الدفاع الى منظومة منظمة هدفها إسكات الآخرين عبر نشر معلومات كاذبة وتشويه السمعة وصناعة إجماع وهمي وتحويل كل نقاش الى معركة هوية، وفي لبنان تحديداً تتداخل التبعية السياسية مع العائلة والطائفة و المذهب ومع الزبائنية والخوف من الطرف الآخر
:فالتابع سياسياً تحاصره عدة أنواع من المخاوف قد تؤدي به الى الكذب والتقية حيث يتظاهر بما لا يضمر
١- الخوف من فقدان الحماية: يشعر التابع أنّ الزعيم وجماعته يحميانه من الخصوم أو من خطر أكبر لذلك يصبح نقد الزعيم في نظره تهديداً للحماية نفسها
٢- الخوف من العزلة: إذا كانت العائلة أو الطائفة أو البيئة كلها مرتبطة بزعيم معين، فإنّ الخروج عن الخطّ قد يعني خسارة الأصدقاء والجيران أو المكانة والقبول الاجتماعي
٣-الخوف من فقدان الهوية: عندما يصبح الزعيم رمزاً للجماعة أو للطائفة أو للمذهب، فإنّ انتقاده قد يشعر الشخص أنّه ينتقد نفسه أو تاريخه وانتماءه، لذلك ينبري للدفاع عنه دفاعاً شخصياً يتسّم أغلب الأحيان بالعناد والشراسة والعنف
٤- الخوف من مواجهة الحقيقة: إذا أمضى الإنسان سنوات في الدفاع عن زعيم يصبح الإعتراف بأنّه قد أخطأ مكلفاً نفسياً لأنّ عليه أن يسأل نفسه: إذا كان مخطئاً طوال هذه السنوات، فهل كنت أنا أيضاً على خطأ، لذلك يدافع عن المتبوع بحماس كلما ظهرت أدلة ضده
٥- الخوف من التفكير المستقل لأنّه باعتقاده قد يذهب به الى المجهول
٦- الخوف من العقاب والحرمان: في الأنظمة الزبائنية كما هي الحال في لبنان قد تكون هناك وظائف وخدمات وعلاقات مرتبطة بالولاء المطلق وهنا لا يعود الخوف نفسياً بل مادياً ومعيشياً أيضاً
فالاختبار الحقيقي للحرية ليس أن تختار الزعيم بل أن تكون قادراً على معارضته دون أن تشعر بأنّك قد فقدت نفسك، وتتجلى حريّة الشخص في القدرة على القول: أنا مع هذا الزعيم عندما أقتنع به وضدّه عندما يخطىء من دون أن أشعر بأنّي أخون هويتي
وهكذا كلما ضعف التفكير النقدي يصبح من السهل توجيه الجمهور عبر الدعاية الرقمية القائمة على التخويف والتهديد بحيث يبرز العنف السياسي والرقمي الذي يقوم على إسكات المختلف وتخوينه وإذلاله وتجريده من حقه في الكلام، وإقصائه عن المجال العام ونزع إنسانيته ليسهل بعد ذلك إلغاؤه وتحويله الى شيء أو الى جثة فاقدة الحرية والكرامة، فالجيش الإلكتروني لا يحتاج دائماً الى إقناع الجمهور بأنّ الزعيم «ممتاز» إذ يكفي أحياناً جعل انتقاده مكلفاً اجتماعياً عبر تشويه السمعة وربطه بالخصم السياسي أو الطائفي
لذا تعمل الجيوش الإلكترونية على خلق وهم بالإجماع إذ عندما يرى المستخدم للمنصات ولمواقع التواصل الاجتماعي عشرات الحسابات تكرّر الرسالة نفسها قد يشعر بأنّ الجميع يؤيد الزعيم أو الحزب ومن يعارضه هو الأقلية أو الخائن؛
وهنا تصبح هذه الجيوش أداة لإنتاج إحساس مصطنع بالأغلبية وليس فقط لنشر الدعاية، وبدل السؤال هل القرار السياسي صحيح يصبح السؤال: هل أنت مع زعيمنا أو حزبنا أم ضدّه، وهذه النقطة خطيرة ديموقراطياً لأنّها تلغي المساحة الوسطى، فالسياسي الذي يمكن انتقاده يصبح «قائداً» لا يمكن التشكيك به وبمصداقيته والمعارض يتحوّل الى «عدو»، وتتحوّل الجيوش الإلكترونية الى شرطة إيديولوجية تراقب حدود ما يمكن قوله وما لا يمكن قوله لا سيما أنّ الفضاء الرقمي اللبناني شديد الاستقطاب بفعل القوى الحزبية والسياسية والطائفية وقد لا يحتاج صاحب السلطان الى إسكات الجميع مباشرة إذ يكفي أن يجعل الأنصار يقومون بهذه العملية نيابة عنه
وهنا يجب التفريق بين مناصر عادي يؤمن بالزعيم وينشر أقواله تلقائياً، وبين مناصر منظم يتلقى توجيهات حول ماذا ينشر ومتى وكيف
أما النقطة الأكثر خطورة وإثارة للإهتمام فهي أنّ الجيوش الإلكترونية قد لا تحتاج الى غسل دماغ الفرد أصلاً إذ عليها أن تخلق بيئة معلوماتية مغلقة فيرى الشخص الرسالة نفسها من الحزب والمؤثرين والأصدقاء والحسابات المتعدّدة ثم يتعرّض للهجوم إذا شكّك بها، عندها تحصل عملية تطبيع ذاتي إذ يبدأ الفرد بمراقبة نفسه وتصحيح كلامه قبل أن يقوم أحد بإسكاته وهذه ذروة الإرهاب الفكري.

