بين العمالة وغياب الدولة: الحكاية الأخرى لجيش لبنان الجنوبي

بين العمالة وغياب الدولة: الحكاية الأخرى لجيش لبنان الجنوبي

  • ١٧ آب ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

لقد مرّ أكثر من ربع قرن. ومن يريد دولة قوية، فليكن قوياً بما يكفي لطي صفحة الحرب، لا بمعاقبة عائلات كاملة إلى الأبد.

ads

أعاد القانون الذي أقرّه مجلس النواب، والمتعلق بالعفو العام وتخفيض عدد من العقوبات، فتح ملف اللبنانيين الذين لجأوا إلى إسرائيل بعد عام ٢٠٠٠، بعدما شملهم القانون ضمن فئات محددة. وكالعادة، ما إن يُذكر اسم هؤلاء حتى تعود لغة التخوين والأحكام الجاهزة: «عملاء، خونة، اختاروا إسرائيل»… لكأنّ التاريخ اللبناني توقف عند لحظة الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب.

لكن ربما آن الأوان للنظر إلى هذا الملف من زاوية مختلفة، لا لتبرئة كل من ارتكب جرماً، بل لفهم الظروف التي دفعت هؤلاء إلى ما فعلوه، والتوقف عن اختزال تاريخ الجنوب كله بمفهومي «المقاومة» و«العمالة».

في النقاش حول اللبنانيين الذين لجأوا إلى إسرائيل بعد عام ٢٠٠٠، هناك حقيقة يصرّ كثيرون على تجاهلها: جيش لبنان الجنوبي لم يظهر من فراغ، ولم ينشأ لأنّ مجموعة من اللبنانيين قررت فجأة أن تصبح «عميلة». 

قبل أن نحاكم هؤلاء من خلف مكاتبنا المبرّدة اليوم، علينا أن نتذكر الجنوب الذي عاش سنوات طويلة في ظل غياب الدولة، والاحتلال الإسرائيلي، والسلاح الفلسطيني، ثم الحروب المتتالية. وفي تلك الفوضى، وجد جزء من أبناء الجنوب أنفسهم أمام خيار الدفاع عن مناطقهم ومنازلهم، فحملوا السلاح وشكّلوا قوة محلية عُرفت لاحقاً بجيش لبنان الجنوبي.

قد يختلف اللبنانيون على تقييم خيارات هذا الجيش وعلاقاته بإسرائيل، وهذا حق سياسي وتاريخي. لكن اختزال عشرات السنين من تاريخ الجنوب بكلمة «عمالة» هو تبسيط مريح لا علاقة له بالتاريخ المعقد للمنطقة.

ففي مرحلة معينة، كان هؤلاء يرون أنفسهم في مواجهة الاستباحة الفلسطينية للجنوب، وفي مواجهة التنظيمات المسلحة التي تحولت إلى سلطة أمر واقع، وفي سدّ الفراغ الذي تركته الدولة اللبنانية حين عجزت أو تخلّت عن حماية أهل الجنوب. ولم يكن أبناء الجنوب هم الذين اختاروا غياب الدولة عن قراهم.

 

المفارقة أنّ الدولة اللبنانية التي لم تستطِع أن تحمي الجنوب في تلك المرحلة، تركت جزءاً من أبنائه بعد التحرير يواجهون مصيرهم وحدهم. وفي لحظة الانسحاب الإسرائيلي عام ٢٠٠٠، انهار كل شيء بسرعة، ووجد آلاف اللبنانيين أنفسهم أمام خوف حقيقي من الانتقام والملاحقة والسجن، فاختاروا الرحيل.

يمكن للمرء أن يرفض خياراتهم السياسية والعسكرية، وأن ينتقد تحالفهم مع إسرائيل، بل وأن يحاكم كل من ارتكب جريمة محددة. لكن ليس من العدل أن نضع الجميع في سلّة واحدة، ثم نعاقبهم إلى الأبد لأنّهم كانوا في الطرف الخطأ من حرب انتهت.

كذلك، فإنّ الدفاع عن عودة هؤلاء لا يعني الدفاع عن إسرائيل، ولا تبرئة كل ممارسات جيش لبنان الجنوبي. بل يعني الدفاع عن حق اللبناني الذي لجأ إلى إسرائيل في ألا يتحول إلى عدو أبدي لوطنه بسبب خيارات اتخذها في زمن الحرب.

لقد مرّ أكثر من ربع قرن. ومن يريد دولة قوية، فليكن قوياً بما يكفي لطي صفحة الحرب، لا بمعاقبة عائلات كاملة إلى الأبد.

أما الجنوب، فقد دفع ثمن غياب الدولة طويلاً. وأقل ما يمكن أن تفعله الدولة اليوم هو ألا تعاقب أبناءه إلى الأبد لأنّهم حاولوا، بطريقتهم، أن يملأوا الفراغ الذي تركته هي.

ads
ads