٥٠٠٠ دولار راتب النائب اللبناني ..

٥٠٠٠ دولار راتب النائب اللبناني ..

  • ٠٨ آب ٢٠٢٦
  • خاص بيروت تايم

من يدفع؟ وكم يدفع؟ وعلى ماذا يحصل في المقابل؟

ads

تبدو زيادة مخصصات النواب اللبنانيين من ٣٠٠٠ الى ٥٠٠٠ دولار شهريًا، أكثر من مجرد تعديل مالي. إنّها مسألة تطرح سؤالاً حول توزيع الأعباء بين من يشرّع ومن يدفع.

فالزيادة، إذا احتُسبت على أساس ٢٠٠٠ دولار إضافية شهريًا، تعني نحو ٢٤  ألف دولار سنويًا لكل نائب. وقد يبدو الرقم محدودًا عند مقارنته برواتب  أعضاء البرلمانات الغربية، وهي المقارنة التي يستند إليها بعض النواب في تبرير  رفع مخصصاتهم.

  لكن المشكلة   عندما نضع هذا الرقم في سياقه اللبناني حيث الحد الأدنى للأجور ٢٨مليون ليرة ومنذ ٦ سنوات يقاتل موظفو القطاع العام والعسكريين والمتقاعدين  لتحسين مداخيلهم وتعويض الخسائر التي لحقت بقيمة رواتبهم، فيما جاءت الزيادات غالباً بالتقسيط وبصورة لا تتناسب مع ارتفاع كلفة المعيشة.

الراتب ليس المشكلة.. بل الإستقلالية

ليس من الصعب الدفاع مبدئيًا عن فكرة أن يتقاضى النائب راتبًا لائقًا. فالنائب الذي يُفترض أن يمارس وظيفة تشريعية ورقابية بدوام سياسي كامل، يحتاج إلى دخل يحميه من الارتهان المالي.

لكن هذا المنطق يفترض وجود الشرط الأهم: الاستقلالية.

وهنا تكمن المفارقة اللبنانية.

فالمشكلة ليست في أنّ النائب يتقاضى راتبًا مرتفعًا فحسب، وإنّما في طبيعة العلاقة بين المال السياسي والعمل النيابي، وفي مدى قدرة النائب على اتخاذ قراراته بعيدًا من قيادة حزبه أو تياره السياسي أو مصالح الشبكات المرتبطة به.

وعندما يخضع القرار النيابي، في كثير من الملفات، لاعتبارات حزبية وطائفية وانتخابية، يصبح الحديث عن راتب يهدف إلى حماية استقلالية النائب موضع مساءلة؛

أداء نيابي متفاوت

والإنصاف يقتضي عدم وضع جميع النواب في خانة واحدة. هناك نواب يحضرون الجلسات، ويشاركون في اللجان، ويتابعون الملفات العامة، ويقدمون اقتراحات القوانين، ويمارسون دورًا رقابيًا على الحكومة، ويتواصلون مع ناخبيهم ويحاولون تمثيل مصالحهم. وليسوا مجرد أسماء في سجل المجلس.

لكن المشكلة أنّ تقييم العمل النيابي لا يمكن أن يقوم على الحضور وحده. السؤال الواقعي هو: ماذا أنجز النائب؟ كم قانونًا ناقش بجدية؟ كم ملفًا رقابيًا فتح؟ هل واجه أداء الحكومة عندما اقتضت المصلحة العامة ذلك؟ هل دافع عن مصالح المواطنين حتى عندما تعارضت مع مصلحة حزبه؟ وهل استطاع أن يضع مصلحة الدولة فوق الحسابات السياسية والانتخابية؟

هل يستطيع المواطن اللبناني محاسبة نائبه على أدائه كما يستطيع النائب أن يقرر زيادة مخصصاته؟

 إذا كانت الإجابة بالنفي، فإنّ المشكلة لا تعود مشكلة راتب، بل مشكلة توازن بين السلطة والمساءلة.

المواطن يمول..ثم يدفع مرة أخرى

التمويل لا يأتي من مكان غامض،  بل من خزينة تموّلها الضرائب والرسوم التي يدفعها اللبنانيون أفراداً ومؤسسات.

فماذا فعل النواب، بوصفهم ممثلين لهؤلاء المواطنين؟

صوّتوا على موازنات تضمنت أعباء ضريبية ورسومًا إضافية من المازوت والبنزين والسلع الغذائية والاتصالات، إلى مدفوعات تلاحق اللبناني في كل ما يستهلكه ويستخدمه.

وهكذا تصبح المعادلة كالتالي: اللبناني يمول راتب النائب من جيبه عبر الضرائب، والنائب يشارك في إقرار مزيد من الأعباء على الجيب نفسه. بمعنى أكثر مباشرة: المواطن يدفع راتب ممثله، ثم يدفع ثمن قراراته.

المشكلة هنا ليست في مبدأ الضريبة ؛ فالضرائب ضرورة في أي دولة حديثة لتمويل الخدمات العامة. المشكلة في السؤال عن عدالة النظام الضريبي: من يدفع؟ وكم يدفع؟ وماذا يحصل في المقابل؟

هل المقارنة مع النواب الأوروبيين واقعية؟

الاستناد إلى رواتب النواب في أوروبا أو الولايات المتحدة لتبرير زيادة مخصصات النواب اللبنانيين يبدو منطقيًا من الناحية الحسابية. لكنه يتجاهل الفارق الأهم: المقارنة لا تكون في الراتب وحده، بل في منظومة الدولة كاملة.

النائب في دولة ديموقراطية  يعمل ضمن مؤسسات أكثر انتظامًا، وآليات مساءلة أوضح، وإدارة عامة أكثر فاعلية، واقتصاد قادر على إنتاج الثروة، ونظام رقابي وقضائي أكثر رسوخًا. لذلك، السؤال الأكثر عدالة هو: هل يتناسب دخل النائب مع أداء المؤسسة التي يمثلها ومع قدرة الدولة التي يمثّل شعبها؟

في زمن التمديد..من يقرر ومن يُحاسب؟

الإشكالية الأكبر عندما تُرفع مخصصات النواب  بالتزامن مع النقاشات حول التمديد للمجلس النيابي أو تأجيل الاستحقاقات الانتخابية.

فالنائب الذي يحصل على تمديد لولايته لا يحصل فقط على وقت إضافي في السلطة؛ بل يحتفظ أيضًا بموقعه ومخصصاته ونفوذه السياسي من دون أن يكون قد حصل بالضرورة على تفويض انتخابي جديد من المواطنين.

وهنا يصبح السؤال سياسيًا وأخلاقيًا في آن:

هل يجوز لممثل الشعب أن يقرر لنفسه زيادة في دخله أو امتيازاته، في الوقت الذي لا يستطيع فيه المواطن نفسه أن يقرر عبر صندوق الاقتراع ما إذا كان يريد استمرار هذا الممثل في موقعه؟

المشكلة، إذًا، ليست في الـ٢٠٠٠ دولار الإضافية وحدها، بل في ما إذا كانت هذه الزيادة تعكس قيمة العمل النيابي أم تتحول إلى امتياز جديد في مؤسسة يفترض أن تكون خاضعة للمساءلة. ففي بلد  يغرق مواطنوه في الأزمات المعيشية، ثم يُطلب منهم دفع المزيد من الضرائب والرسوم، يصبح من حق المواطن أن يسأل قبل زيادة مخصصات ممثليه: أين هي الزيادة المقابلة في التشريع والرقابة والخدمات والمساءلة؟

ads
ads