ليس لكل مشكلة حل..
ليس لكل مشكلة حل..
أحياناً، تكون الحكمة الحقيقية في الاعتراف بأنّ بعض المشكلات لا تُحل، بل تُدار. وبعض الصراعات لا تنتهي، بل تُخفَّف آثارها
ما أن يقع حدث أمني أو سياسي في لبنان، حتى يقفز السؤال ذاته، وكأنّه قانون طبيعي: «طيب، شو الحل؟»
السؤال يبدو بريئاً، لكنه يخفي خلفه افتراضاً لم يُناقش أصلاً، وهو أنّ لكل مشكلة حلاً، وأنّ وظيفة المفكر أو الكاتب أو السياسي هي أن يقدّم هذا الحل، وكأنّه يخرج أرنباً من قبعة. لكن ماذا لو كان هذا الافتراض خاطئاً؟
الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور مثلاً، لم يكن متفائلاً بطبيعة العالم. لم يرَ التاريخ مسيرة متواصلة نحو الأفضل، ولم يكن يؤمن بفكرة «النهاية السعيدة» التي تعشقها السياسة الحديثة. كان كثير الواقعية، رأى أنّ الحياة عبارة عن مشاكل وموت في النهاية.
في لبنان اليوم الوضع مختلف، حيث حولت عبادة الحلول إلى مرض سياسي. فهناك من يعتقد أنّ سحب سلاح حزب الله سيجعل لبنان فجأة دولة مستقرة، وكأنّ الفساد والاقتصاد المنهار والإدارة العاجزة ستختفي في اليوم التالي.
وفي المقابل، هناك من يظن أنّ الفدرالية هي العصا السحرية، وأنّ مجرد تغيير شكل النظام سيحوّل اللبنانيين إلى شعب مختلف، ويُنهي قرناً من الأزمات والهويات المتصارعة. البعض الآخرى يرى في نهاية إسرائيل حل، وغيرهم في السلام حل. وكلا الفريقين يقع في الخطأ نفسه: الاعتقاد بأنّ أزمة معقدة يمكن اختزالها بحل واحد.
الحقيقة أنّ لبنان ليس معضلة ذات مفتاح واحد، بل مجموعة معضلات متراكمة، بعضها تاريخي، وبعضها اجتماعي، وبعضها ثقافي، وبعضها إقليمي. وكلما عالجت واحدة، ظهرت أخرى كانت مختبئة خلفها.
وهذا لا يعني الاستسلام أو الدعوة إلى اليأس، بل يعني شيئاً أكثر تواضعاً وأكثر واقعية: ليس كل ما نواجهه قابل للحل النهائي.
السياسة ليست مصنعاً لإنتاج النهايات، بل إدارة دائمة للأزمات. والدول الناجحة ليست تلك التي وجدت الحل، بل تلك التي تعلّمت كيف تمنع المشكلات من التحول إلى كوارث.
أما الباحثون عن الحلول السحرية، فهم غالباً أسرى الأيديولوجيا. يريد كل واحد منهم أن يُقنعك بأنّ مفتاحه وحده يفتح كل الأبواب. هذا يقدّس نزع السلاح، وذاك يقدّس الفدرالية، وثالث يقدّس الحياد، ورابع يقدّس الثورة. لكن الواقع لا يعترف بالمقدسات السياسية، بل يواصل تعقيده غير آبه بشعاراتهم.
ربما المشكلة ليست في الأزمات نفسها، بل في إصرارنا على الاعتقاد أنّ لكل أزمة نهاية واضحة، وأنّ كل سؤال يجب أن يقود إلى جواب نهائي.
أحياناً، تكون الحكمة الحقيقية في الاعتراف بأنّ بعض المشكلات لا تُحل، بل تُدار. وبعض الصراعات لا تنتهي، بل تُخفَّف آثارها. وبعض الأسئلة لا تملك جواباً، مهما أزعج ذلك عشاق اليقين.
وربما، كما كان شوبنهاور يلمّح، فإنّ أول خطوة نحو التفكير السليم ليست البحث المحموم عن الحل، بل التحرر من الوهم القائل إنّ العالم مُلزم أصلاً بأن يمنحنا واحداً.

