قرانا المسيحية.. اتهمهم نتنياهو وخذلتهم الدولة
قرانا المسيحية.. اتهمهم نتنياهو وخذلتهم الدولة
القرى المسيحية لا تحتاج إلى دروس في الوطنية، ولا إلى شهادات حسن سلوك من أحد. لقد قدّمت امتحانها منذ عشرات السنين ونجحت فيه.
يحزن الناس على القرى عندما تصبح خطوط تماس. على البيوت التي تُقفل أبوابها. على الكنائس التي يخفّ صوت أجراسها. على المزارعين الذين يتحول موسمهم إلى موعد مع الخوف. هذا حزن مفهوم، لأن الأوطان تبدأ دائماً من القرى التي تبقى مأهولة.
لكن ما يدعو إلى القلق أكثر ليس الخطر وحده، بل الاعتياد عليه. أن تتحول معاناة الناس إلى أمر طبيعي، وأن يصبح غياب الدولة قدراً لا يُناقش، وأن يُطلب من الأهالي في كل أزمة أن يتصرفوا وكأنّهم دولة كاملة، فيما الدولة نفسها تغيب عند أول امتحان.
قبل أيام، خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ليدّعي أنّ بعض القرى المسيحية الجنوبية طلبت الانضمام إلى إسرائيل. لم يطل الأمر حتى جاء الرد واضحاً وحاسماً من أبناء تلك البلدات ورؤساء بلدياتها، وفي مقدمتهم رئيس بلدية رميش، بالنفي القاطع لهذه المزاعم، مؤكدين أنّ هذا الكلام عارٍ تماماً عن الصحة.
في الحقيقة، لا يحتاج أبناء هذه القرى إلى إصدار بيانات لإثبات وطنيتهم. تاريخهم فعل ذلك منذ عقود. فمنذ قيام إسرائيل، مروراً بسنوات الاحتلال الطويلة، وصولاً إلى كل الحروب التي شهدها الجنوب، بقيت القرى المسيحية متمسكة بلبنان. لم تطلب يوماً وطناً بديلاً، ولم تساوم على هويتها، ولم تبحث عن جنسية أخرى، رغم كل ما عاشته من حصار وخوف وعزلة.
ولهذا، فإنّ الوطنية لا يجوز أن تتحول إلى عقوبة. لا يمكن للدولة أن تستمر في الرهان على صمود الناس وحدهم، ثم تقول لهم في كل مرة: "دبّروا حالكم". ولا يمكن لبقية اللبنانيين أن يكتفوا بالتصفيق لصمود هذه البلدات، فيما تُترك وحيدة على الحدود، تواجه الأخطار والإهمال في آن واحد.
والسؤال البديهي هو: ماذا قدمت الدولة لهذه القرى؟ هل وفرت لها الحماية؟ هل أنعشت اقتصادها؟ هل منعت نزيف شبابها؟ هل جعلت أبناءها يشعرون بأنّهم يعيشون في قلب الجمهورية، لا على هامشها؟
اليوم، فيما يحتل الجيش الإسرائيلي أجزاء من الجنوب، وفيما اضطر كثير من أبناء البلدات الحدودية إلى مغادرة منازلهم بسبب الحرب، لا تزال هذه القرى تقف في أرضها. لا تزال الكنائس مفتوحة، والبيوت مأهولة، والعلم اللبناني مرفوعاً. وفي كثير من المواقع الحدودية، بقي وجود أهلها هو الدليل الوحيد على أن هذه الأرض ما زالت لبنانية.
لذلك، فإنّ أقل ما تستحقه هذه القرى ليس الشفقة، بل الامتنان. ويصح، على سبيل البلاغة لا المبالغة، أن يُقال إنّ على الدولة، وعلى اللبنانيين جميعاً، أن يقبّلوا أيادي الرجال والنساء الذين رفضوا ترك أرضهم، لأنّهم لم يدافعوا عن بيوتهم فقط، بل حافظوا، بصمودهم، على هوية جزء من لبنان في أقصى حدوده.
المفارقة أنّ الذين حوّلوا الجنوب إلى ساحة مفتوحة لمشاريعهم، وجعلوا القرى متاريس لحروبهم، هم أنفسهم يبدون اليوم مستغربين عندما يحاول الآخرون استغلال معاناة هذه البلدات سياسياً. والحقيقة أنّ من أوصل الأمور إلى حدّ أن يتجرأ نتنياهو على إطلاق مثل هذا الادعاء، هو من صادر قرار الحرب والسلم، ووضع القرى الحدودية في قلب مواجهة لم تخترها.
القرى المسيحية لا تحتاج إلى دروس في الوطنية، ولا إلى شهادات حسن سلوك من أحد. لقد قدّمت امتحانها منذ عشرات السنين ونجحت فيه. أما الامتحان الذي لا يزال راسباً، فهو امتحان الدولة، التي لم تنجح بعد في أن تكون حاضرة بقوة مع أكثر أبنائها إخلاصاً لها.

