القوات الإسرائيلية تستهدف خليفة مغنية.. هل انتهت قصة علي موسى دقدوق؟
القوات الإسرائيلية تستهدف خليفة مغنية.. هل انتهت قصة علي موسى دقدوق؟
القوات الإسرائيلية تستهدف الرجل الذي يُنظر إليه على أنّه أحد أبرز القادة العسكريين في حزب الله بعد عماد مغنية. لكن هل قُتِلَ دقدوق فعلاً أم تعمّد الحزب الاعلان عن مقتله لتضليل الاسرائيلي مجدداً؟
بعد ثمانية عشر عاماً على اغتيال عماد مغنية في دمشق، تقول مصادر إسرائيلية إنّها نجحت في قتل الرجل الذي كان يُنظر إليه باعتباره أحد أبرز ورثته العسكريين: علي موسى دقدوق، المعروف أيضاً باسم «أبو حسين ساجد». لكن خلف خبر الاغتيال تكمن قصة رجل أفلت من الأميركيين والإسرائيليين أكثر من مرة، قبل أن يعود اسمه فجأة إلى واجهة الحرب الدائرة في جنوب لبنان.
غير أنّ ما يضفي مزيداً من الغموض على القضية هو ما كشفته مصادر أمنية لـ«بيروت تايم» عن أنّ دقدوق قُتل قبل ٣ أيام من موعد الإعلان الرسمي عن مقتله، وأنّ الحزب تريّث في إصدار النعي إلى حين العثور على جثمانه والتأكد من مصيره. وهي معطيات تفتح الباب أمام تساؤلات حول ظروف مقتله وحقيقة ما جرى في الساعات التي سبقت الإعلان عنه.
من هو الرجل الذي طاردته واشنطن وتل أبيب لعقدين؟
قد لا يكون اسم علي موسى دقدوق معروفاً لدى الرأي العام بالقدر نفسه الذي عُرف به عماد مغنية، إلا أنّ الرجل احتل موقعاً متقدماً على لوائح المطلوبين لدى الولايات المتحدة وإسرائيل لأكثر من عشرين عاماً.
وتشير تقديرات أمنية غربية إلى أنّه لعب أدواراً قيادية داخل «قوة الرضوان»، وحدة النخبة الهجومية التي ارتبط اسمها بعماد مغنية منذ تأسيسها. كما تولى في مراحل مختلفة مسؤوليات أمنية وعسكرية مهمة، من بينها الإشراف على فريق الحماية الشخصية للأمين العام السابق السيد حسن نصرالله، وقيادة وحدة العمليات الخاصة المعروفة باسم الوحدة ٢٨٠٠والتي كان قد أسسها مغنية.
واشنطن بدورها اتهمته بالضلوع في الهجوم الذي استهدف مجلس محافظة كربلاء عام ٢٠٠٧ وأدى إلى مقتل خمسة جنود أميركيين، ورصدت مكافأة قدرها خمسة ملايين دولار مقابل معلومات تؤدي إلى اعتقاله أو تحديد مكانه، وهو المبلغ نفسه الذي سبق أن خصصته للحصول على معلومات عن عماد مغنية.
رجل بأسماء متعددة.. وهويات متخفية
لم يكن علي موسى دقدوق قيادياً عادياً ولا اكتفى بدور تقليدي، فكما مغنية تنقل بين ايران والعراق وسوريا ودرّب وأسّس مجموعات قتالية الى جانب كونه العقل المدبّر لكل خطط الهجوم على المصالح الاميركية والاسرائيلية في تلك الدول.
على مدى سنوات، شكّل دقدوق لغزاً أمنياً واستعصى على ملاحقيه. استخدم عدداً من الأسماء والكنى، من بينها «أبو حسين ساجد» و«حميد محمد جبر الموسوي» و«حمدي محمد اللامي»، ما ساهم في إخفاء هويته الحقيقية لفترات طويلة.
اعتُقل سابقاً في معتقل الخيام قبل التحرير من دون أن تنكشف أهميته الأمنية، ثم أوقفته القوات الأميركية في العراق عام ٢٠٠٧. وخلال التحقيقات، تشير روايات متقاطعة إلى أنّه ادعى الإصابة بالصمم والبكم والتزم الصمت لفترات طويلة، قبل أن يُفرج عنه لاحقاً بعد انسحاب القوات الأميركية من العراق في العام ٢٠١٢.
لقد ما أدرجته الخزانة الاميركية على لائحة العقوبات. توارى عن الأنظار لسنوات وظهر مجدداً في سوريا ما بين العامين ٢٠١٨ و٢٠١٩ حيث تسلم مسؤولية وحدة ملف الجولان، الوحدة التي تمركزت قرب الحدود الاسرائيلية وراقبت وخططت لاقتحام شمال اسرائيل طوال سنوات. وصفته تل أبيب في ذلك الوقت بقائد «شبكة إرهاب الجولان» وادّعت أنّ نصرالله أرسله شخصياً الى سوريا لاعداد شبكة سرية ولا يعرف بها حتى بشار الاسد نفسه.
نجا من الموت مرة..فهل سقط هذه المرة؟
المفارقة أنّ اسم دقدوق ارتبط سابقاً بشائعات اغتيال لم تكن صحيحة.
ففي عام ٢٠١٩، تداولت وسائل إعلام عربية وإسرائيلية تقارير تحدثت عن مقتله في غارة استهدفت منطقة السيدة زينب في ريف دمشق. يومها أُغلق الملف سريعاً، قبل أن يتبين لاحقاً أنّ الرجل لا يزال حياً.
هذا التاريخ جعل كثيرين يتعاملون بحذر مع إعلان مقتله هذه المرة.
لكن المشهد اختلف خلال الأيام الماضية. فقد أعلن السفير الإسرائيلي في الولايات المتحدة يحيئيل ليتر أنّ دقدوق قُتل في غارة إسرائيلية جنوب نهر الليطاني، ونشر على صفحته على منصة «إكس» نبذة عن دقدوق. واصفاً إياه بأنّه أحد أبرز المسؤولين عن عمليات استهدفت أميركيين وإسرائيليين خلال العقدين الماضيين.
وفي الوقت نفسه، صدرت مواقف نعي من شخصيات وقوى حليفة للحزب، بينها الأمين العام لكتائب سيد الشهداء أبو آلاء الولائي، واصفا إياه بالرجل الاستثنائي الذي يجمع بين صلابة القائد ونقاء المؤمن كاشفاُ أنّهما قضيا سنوات سوياً في «زنازين الاحتلال الأميركي». بينما وصفه قيادييين في حزب الله بأنّه عماد مغنية ٢٠٢٦ في إشارة إلى مكانته الأمنية والعسكرية داخل البنية التنظيمية.
أهمية الحدث لا تكمن فقط في شخصية دقدوق، بل في التوقيت الذي يأتي فيه.
فمنذ اندلاع المواجهة الحالية، كثّفت إسرائيل عملياتها ضد كوادر وقادة ميدانيين في الحزب، في ما يبدو أنّه استراتيجية تستهدف استنزاف الطبقة القيادية التي راكمت خبرات عسكرية وأمنية على مدى عقود.
وبحسب مراقبين، فإنّ خسارة شخصيات من هذا المستوى تتجاوز البعد العسكري المباشر، لتطال الذاكرة العملياتية والشبكات والعلاقات التي بُنيت منذ ثمانينيات القرن الماضي. فهؤلاء لا يُستبدلون بسهولة، حتى داخل التنظيمات الأكثر انضباطاً.
وبين الرواية الإسرائيلية التي تؤكد نجاح العملية، والمعلومات التي تتحدث عن ظروف معقدة رافقت العثور على جثمانه، يبقى سؤال واحد يفرض نفسه: هل قُتِلَ دقدوق فعلاً أم تعمّد الحزب الاعلان عن مقتله لتضليل الاسرائيلي مجدداً؟

