حزب الله والخسارة التي أخفاها وقف إطلاق النار
حزب الله والخسارة التي أخفاها وقف إطلاق النار
إذا صحت المعلومات المتداولة حول تعهد طهران بالتخلي عن سياسة دعم الأذرع الإقليمية، فإنّ وقف إطلاق النار ربما يكون آخر هدية إيرانية لحزب الله.
بعد ساعات من إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، نقل مصدر دبلوماسي قطري أنّ التفاهم الذي أنهى المواجهة لم يقتصر على وقف العمليات العسكرية بين الطرفين، بل شمل أيضاً ملفات إقليمية عدة، من بينها لبنان. وبحسب المصدر، قدمت إيران تعهداً بوقف دعم أذرعها الإقليمية، في خطوة تعكس تحولاً في أولوياتها بعد الحرب ومحاولة لتجنب أي مواجهة جديدة قد تعيد إشعال المنطقة.
في لبنان، استقبل كثيرون هذا التطور على أنّه إنقاذ لحزب الله. فإدراج الساحة اللبنانية ضمن التفاهمات يعني عملياً وقف التصعيد الإسرائيلي الواسع الذي كان يمكن أن يتطور خلال الأسابيع المقبلة. لكن إذا كان الاتفاق قد وفرّ للحزب حماية مؤقتة، فإنّه لم يغير النتائج التي خرج بها من الحرب.
فخلال المرحلة المقبلة سيحاول حزب الله تقديم صورة مختلفة تماماً. ستكثر الخطابات عن الصمود وعن إفشال الأهداف الإسرائيلية، وسيجري التركيز على أنّ الحزب ما زال موجوداً وقادراً على العمل. غير أنّ الصورة على الأرض تبدو أكثر تعقيداً بكثير.
فالجنوب اللبناني يخرج من الحرب وهو يحمل آثار دمار واسعة. عشرات القرى تعرضت للتخريب، والبنية التحتية تحتاج إلى سنوات لإعادة بنائها، فيما ما زالت إسرائيل تفرض وجوداً وسيطرة في مناطق يعتبر كثيرون أنّها أوسع مما كانت عليه بعد انسحابها من جنوب لبنان عام٢٠٠٠.
ورغم أنّ وقف إطلاق النار أوقف الحرب، فإنّه لم يغير هذه الوقائع. فلا الأراضي عادت كما كانت، ولا القرى أعيد بناؤها، ولا الخسائر التي تعرض لها الجنوب اختفت بمجرد توقيع الاتفاق.
ويزداد هذا الواقع صعوبة عند الحديث عن إعادة الإعمار. فالحرب السابقة عام ٢٠٠٦ تبعتها موجة تمويل واسعة سمحت بإعادة بناء ما دمرته المعارك خلال فترة قصيرة نسبياً. أما اليوم فالمشهد مختلف بالكامل. دول الخليج لا تبدو مستعدة لتمويل إعادة إعمار مناطق خاضعة لنفوذ حزب الله، فيما يواجه لبنان أزمة مالية خانقة تمنعه من تحمل هذه المهمة وحده.
أما إيران، التي كانت تشكل الداعم الأساسي للحزب خلال العقود الماضية، فتبدو هي الأخرى أمام مرحلة مختلفة. فحتى لو أرادت المساعدة، فإنّ الضغوط الاقتصادية والسياسية التي تواجهها تجعل قدرتها على تحمل أعباء إعادة إعمار واسعة أقل بكثير مما كانت عليه في الماضي. بل إنّ المصدر الدبلوماسي القطري يرى أنّ طهران اتخذت قراراً بإعادة ترتيب أولوياتها الإقليمية، وأنّ التفاهمات الأخيرة تعكس بداية مرحلة جديدة تختلف عن تلك التي حكمت المنطقة طوال العقود الماضية.
ولهذا السبب، فإنّ التحدي الحقيقي الذي يواجه حزب الله لا يتعلق بكيفية إعلان النصر، بل بكيفية التعامل مع اليوم التالي للحرب. فالحزب الذي كان يعتمد على شبكة دعم إقليمية واسعة يجد نفسه أمام واقع جديد، فيما يحتاج الجنوب إلى مليارات الدولارات وإلى سنوات طويلة للتعافي.
لذلك، فإنّ المفارقة الكبرى في اتفاق الأمس تكمن في أنّ إيران، التي قدمت نفسها لعقود باعتبارها الحامي الأول لحزب الله، لم تقدم له في نهاية هذه الحرب سوى طلب من واشنطن للضغط على إسرائيل من أجل وقف إطلاق النار. فبدلاً من فتح جبهات جديدة أو فرض معادلات ردع جديدة أو تمويل مرحلة ما بعد الحرب، يبدو أن أقصى ما استطاعت طهران تقديمه كان منع الأسوأ.
وإذا صحت المعلومات المتداولة حول تعهدها بالتخلي عن سياسة دعم الأذرع الإقليمية، فإنّ هذا الوقف لإطلاق النار قد لا يكون مجرد اتفاق أنهى الحرب، بل ربما يكون آخر هدية إيرانية لحزب الله قبل الدخول في مرحلة مختلفة تماماً. وبين جنوب مدمر، وأراضٍ ما زالت تحت السيطرة الإسرائيلية، وغياب الأموال اللازمة لإعادة الإعمار، وتراجع الدعم الخارجي، يبدو أنّ الحزب يقترب من لحظة لم يعد فيها السؤال كيف يعلن النصر، بل كيف يتعامل مع واقع جديد يجد نفسه فيه وحيداً للمرة الأولى منذ عقود.

