بين المهمّة والمنصب
لطالما استقطبت السياسة المتسلّقين. بعضهم يصعد لأنه يؤمن بأن هناك عملاً ينبغي إنجازه، وبعضهم يصعد لأن هناك وليمة تنتظره في الأعلى.
ومن بعيد، نادراً ما يظهر الفرق بين الفريقين. فكلاهما يحضر المؤتمرات نفسها، ويصافح الأيدي نفسها، ويصدر البيانات نفسها، ويتحدث بلغة الخدمة والمسؤولية والتضحية والتاريخ. لكن الفارق لا يتجلى إلا بعد الوصول إلى السلطة.
ففريق يرى المنصب مهمّة، فيما يراه الفريق الآخر جائزة.
وعلى امتداد معظم التاريخ، أدركت الأنظمة السياسية الناجحة أن هذين الدافعين يوجدان معاً، وحاولت أن تحفظ بينهما شيئاً من التوازن. فالطموح ليس رذيلة في حد ذاته، ومن يحمل الأعباء يتوقع عادة شيئاً من التعويض عن حملها.
مـهـمّـة أم مـنـصــب؟
المشكلة ليست في وجود المنصب. المشكلة تبدأ عندما يصبح المنصب هو غاية الصعود.
تتكاثر الألقاب أسرع من الإنجازات. وتُنشأ اللجان للإشراف على لجان أخرى. وتُعقد الاجتماعات للتحضير لاجتماعات مقبلة. وتُصدر البيانات للاعتراف ببيانات سابقة.
ومن بعيد يبدو كل شيء حيوياً ومنتجاً. أما عن قرب، فيكتشف المرء مقداراً هائلاً من الحركة، يقابله مقدار غير مرئي من التقدم.
ومع الوقت، يشهد النظام السياسي انقلاباً هادئاً لكنه عميق الأثر. فبدلاً من مكافأة النتائج، يبدأ بمكافأة البقاء. ويصبح طول العمر السياسي بديلاً من الإنجاز، كما يصبح الاستمرار بديلاً من الكفاءة.
ويُعامل البقاء على الكرسي لأكثر من ثلاثين عاماً وكأنه دليل على استحقاقه منذ البداية. أما السؤال عمّا تحقق فعلياً خلال تلك العقود الثلاثة، فيُنظر إليه غالباً على أنه قلة تهذيب، أو محاولة للتشويش، أو نقص في احترام الخبرة.
عند هذه المرحلة، تكف السياسة تدريجياً عن الحكم، وتبدأ بالتمثيل.
فلا يعود الهدف حل المشكلات، بل البقاء ضرورياً لوجودها. وتتحول الأزمات من أعباء إلى أصول، لأن الأزمات غير المحلولة تحتاج إلى مديرين ومفاوضين وناطقين ومنسقين، وإلى ذلك الجيش اللامتناهي من الممثلين الثانويين الذين يملأون كل منظومة سياسية.
أما المهمّة، مهما أحاطت بها من كلمات نبيلة، فتغادر القاعة بهدوء. ويبقى المنصب.
عـبـادة الـبـقــاء
لم يخترع لبنان هذه الظاهرة، لكنه أتقنها إلى حد بعيد. ولأسباب مفهومة، نحن نعجب بالبقاء.
فهذا بلد عرف الحروب والاحتلالات والاغتيالات والانهيار المالي والشلل السياسي. لكننا، في مكان ما على الطريق، بدأنا نخلط بين القدرة على تحمّل المشكلة والقدرة على حلها. وأصبح البقاء في المكان إنجازاً بحد ذاته.
ويتجلى هذا الميل في مختلف جوانب الحياة العامة. فالقرارات تُرجأ بلا نهاية سعياً إلى التوافق. والترتيبات المؤقتة تتحول إلى وقائع دائمة. وكل مشكلة تُحال إلى نقاش لاحق، وكل نقاش إلى لجنة لاحقة، وكل لجنة إلى مرحلة لاحقة.
والنتيجة شكل غريب من الحركة السياسية، يبدو فيه الجميع مشغولين وجادين ولا غنى عنهم، فيما لا يتغير شيء تقريباً. ينجو النظام، ثم يُقدَّم هذا البقاء دليلاً على نجاحه.
ومع ذلك، فإن اللحظة الراهنة تمنح أسباباً للتفاؤل أكثر مما منحته مراحل كثيرة سبقتها.
فعلى خلاف العقود الأربعة الماضية، تضم القيادة الحالية عدداً ملحوظاً من أصحاب نهج الواجب قبل المأدبة. بعضهم في الحكومة، وقلة منهم في البرلمان، وكثيرون في المؤسسات العسكرية والعامة. ليسوا كاملين، ولا هم القوة المهيمنة، لكنهم أكثر اهتماماً بالنتائج من اهتمامهم بالديكور.
غير أن المشكلة تكمن في أنهم ما زالوا محاطين بثقافة سياسية بناها أهل المنصب وليس أهل المهمّة.
لقد وصل الرئيس جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام إلى موقعيهما بفعل ظروف صنعت لهما فرصاً لم يصنعاها بالكامل بنفسيهما.
أما اللاعب الثالث، رئيس مجلس النواب نبيه بري، فيمثل الاستمرارية في أنقى صورها. فلو كان للمناصب قديس شفيع، لكانت السياسة اللبنانية قد منحته هذا اللقب منذ سنوات طويلة.
تبدلت الحكومات، وتعاقب الرؤساء، وارتفعت نظم إقليمية وسقطت أخرى، لكنه بقي. ففي لبنان، يبدو أن بعض المسيرات السياسية لا تُقاس بالدورات الانتخابية، بل بالعصور الجيولوجية.
فـرصـة واضـحـة وحـاضــرة
السؤال الذي يواجه البلاد اليوم بسيط ومباشر: هل يستطيع عدد كافٍ من أصحاب نهج الواجب أن يغيّر مركز الثقل قبل أن يعود نظام حليمة إلى عادته القديمة؟
فالفرص المتاحة أمام لبنان اليوم أوضح مما كانت عليه منذ سنوات طويلة.
هناك دعم أميركي. وهناك استعداد إسرائيلي للتفاوض. والعرب والأوروبيون يرحبون بالاستقرار. ونظام الأسد أصبح جزءاً من التاريخ. وموقع إيران الإقليمي بات أقرب إلى الانهيار. أما الطموحات التركية فما زالت قابلة للصدّ. فيما يجد المحور المحلي نفسه أكثر يتمًا وعزلة مما كان عليه في أي مرحلة من تاريخه.
ورجل الدولة يبدأ بالتعامل مع الواقع قبل أن تنقضي صلاحيته.
ليس المطلوب الارتهان لقوة خارجية أو مشروع خارجي. بل العكس تماماً. فالدولة الجدية تستثمر الزخم من دون أن تستعبد نفسها له. وتستفيد من الفرصة من دون أن تتخلى عن مصالحها. فإن نجحت اللحظة، ربحت معها. وإن فشلت، بقيت واقفة على قدميها.
وهذا يتطلب قرارات واضحة، وأولويات محددة، واستعداداً لمواجهة الخصوم بدلاً من الدوران معهم في حلقات تفاوض لا تنتهي.
وفي نهاية المطاف، ليست المعادلة معقدة ولا أيديولوجية. استفد من الدعم المتاح. ودافع عن المصالح اللبنانية بلا اعتذار. وطمئن الحلفاء عند الحاجة. وواجه الخصوم كلما أمكن.
وقبل كل شيء، تذكّر لماذا وُجد السلّم أصلاً. فحين تصبح السياسة كلها من أجل المنصب، تتوقف عن أن تكون سياسة. وتتحول إلى خدمة موائد. وعندها يبدأ الضيوف أنفسهم باكتشاف أن الوليمة لم تكن تستحق التذوق أصلاً.
ولكي نصل إلى الخلاصة، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الرئيس بري سيضع المهمّة يوماً قبل المنصب. ففي هذا العمر، سيكون ذلك أقرب إلى المعجزة منه إلى السياسة.
السؤال هو ما إذا كان جوزاف عون ونواف سلام سيظلان من أهل المهمّة، زمناً كافياً لدفع النظام، والأحداث معه، في الاتجاه نفسه.
لأن لبنان، في نهاية المطاف، مكانه إلى المائدة، لا عليها.

