حزب الله.. الخاسر الأكبر في حرب الساعات الاثنتي عشرة

حزب الله.. الخاسر الأكبر في حرب الساعات الاثنتي عشرة

  • ١١ حزيران ٢٠٢٦
  • أنطوني سعد

يجد حزب الله نفسه بين خيارين أحلاهما مرّ؛ إما الرّد والمخاطرة بتوسيع الحرب على لبنان، أو الامتناع عن الرّد والاستمرار في تلقي الضربات.

قبل أيام من المواجهة الأخيرة بين إيران وإسرائيل، نقل مصدر باكستاني أنّ طهران كانت تسعى إلى فرض معادلة جديدة في المنطقة. الفكرة كانت بسيطة؛ كل ضربة إسرائيلية للبنان ستقابلها ضربة إيرانية مباشرة ضد إسرائيل. ووفق المصدر نفسه، كانت القيادة الإيرانية تراهن على أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يرغب في خوض حرب واسعة، وأنّه سيسارع إلى تقييد الرد الإسرائيلي والضغط على تل أبيب لمنع أي تصعيد كبير، حفاظاً على مسار المفاوضات ورغبته في الوصول إلى اتفاق. لكن ما جرى على الأرض أظهر أنّ هذه الحسابات لم تكن دقيقة، وأنّ النتيجة النهائية للحرب القصيرة كانت مختلفة تماماً عما أرادته طهران، وكان حزب الله أكبر المتضررين منها.

في يوم الأحد الفائت، استهدفت إسرائيل الضاحية الجنوبية لبيروت، فيما ردت إيران بإطلاق الصواريخ والمسيرات نحو إسرائيل. غير أنّ تل أبيب لم تكتفِ بالدفاع أو بالرد المحدود، بل وسعت عملياتها ضد أهداف داخل إيران، ما أدى إلى ارتفاع منسوب التوتر بشكل سريع. ومع اتساع دائرة المواجهة، تدخلت الولايات المتحدة لفرض وقف لإطلاق النار وإنهاء القتال بعد ساعات قليلة.

بعد انتهاء المواجهة، حاولت إيران الحفاظ على صورة الردع التي أرادت تكريسها، فأعلنت أنّها سترد إذا تعرّض جنوب لبنان لهجمات إسرائيلية جديدة. لكن التطورات اللاحقة على الأرض لم تعكس هذا الموقف. فمنذ يوم الإثنين، كثفت إسرائيل عملياتها العسكرية في الجنوب اللبناني، ونفذت عشرات الغارات يومياً على مناطق مختلفة، وصولاً إلى مدن أساسية مثل النبطية وصور ومحيطهما.

ورغم هذه الضربات المتواصلة، لم يظهر أي ردّ إيراني مباشر. لا صواريخ أطلقت من إيران، ولا عمليات انتقامية ضد إسرائيل، ولا عودة إلى المعادلة التي تحدث عنها المصدر الباكستاني. بل على العكس، بدا أنّ طهران فضلت تجنّب أي مواجهة جديدة بعد أن اختبرت خلال حرب الساعات الاثنتي عشرة حجم المخاطر التي قد تترتب على التصعيد المباشر مع إسرائيل.

أما حزب الله، فوجد نفسه في موقع بالغ الصعوبة. فالحزب الذي كان يفترض أن يستفيد من أي معادلة ردع إيرانية جديدة، بات عملياً الطرف الذي يدفع الثمن وحده. إسرائيل تواصل استهداف مواقع ومناطق في الجنوب، فيما تبدو الخيارات المتاحة أمام الحزب أكثر ضيقاً من أي وقت مضى. فإيران لا تريد فتح جبهة جديدة، وإسرائيل أظهرت استعداداً للرد بقوة على أي تصعيد.

ويزداد هذا الواقع تعقيداً مع منح إسرائيل الجيش صلاحيات واسعة للرد على أي إطلاق نار من لبنان من دون الحاجة إلى موافقات سياسية معقدة أو قيود كانت موجودة في مراحل سابقة. وهذا يعني أنّ أي عملية ينفذها حزب الله قد تقود إلى موجة تصعيد واسعة قد تطال مناطق لبنانية إضافية وتؤدي إلى خسائر أكبر.

وفي المقابل، لم يعد الحزب قادراً على الرد بالطريقة التي اعتاد عليها خلال الأشهر الماضية. فكل صاروخ أو مسيرة قد يفتح الباب أمام ضربات إسرائيلية أوسع، فيما تبدو طهران حريصة على تجنّب أي مواجهة مباشرة جديدة بعد التجربة الأخيرة. وهكذا يجد حزب الله نفسه بين خيارين أحلاهما مرّ: إما الرّد والمخاطرة بتوسيع الحرب على لبنان، أو الامتناع عن الرّد والاستمرار في تلقي الضربات. ومع استمرار هذا الواقع، يصبح الحزب أمام معادلة جديدة تقوم على عدم استهداف شمال إسرائيل حفاظاً على الضاحية الجنوبية وبيروت من جهة، ما يترك انطباعاً لدى كثيرين وكأنّه سلّم أمر الجنوب لإسرائيل من جهة أخرى.

لذلك، فإنّ المفارقة الكبرى في حرب الساعات الاثنتي عشرة تكمن في أنّ الطرف الذي لم يكن محور المواجهة المباشرة قد يكون خرج منها الخاسر الأكبر. فالمعادلة التي سعت طهران إلى فرضها لم تصمد إلا لساعات، والوعود بالرّد على أي استهداف للبنان لم تتحول إلى أفعال، فيما بقي حزب الله وحيداً تحت النار. وبينما تحاول إيران تجنّب مواجهة جديدة وتحافظ إسرائيل على حرية عملها العسكري، يبدو الحزب اليوم أكثر تقييداً من أي وقت مضى، يدفع ثمن حرب لم يشارك فيها بشكل مباشر لكنه خرج منها أضعف مما دخل إليها.