لا زعل على هزيمة حزب الله

لا زعل على هزيمة حزب الله

  • ٠٨ حزيران ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

العالم يبني جامعات ومختبرات ويتنافس على جذب العقول. وهنا، تُستنزف العقول في الهجرة والحروب. فماذا قدّم حزب الله للبنان؟ هل بنى اقتصاداً؟ هل عزّز من مكانة الفرد اللبناني؟ هل صنع استقراراً؟ هل شارك بصنع شيء مفيد للمستقبل؟

يحزن الناس على الناس في الحروب. على البيوت التي تُهدم. على القرى التي تفرغ من أهلها. على الشباب الذين يموتون قبل أن يعيشوا حياتهم. هذا حزن طبيعي، وربما واجب أخلاقي.

أما الحزن على المشاريع السياسية، فله معيار آخر تماماً. معياره بسيط جداً: ماذا أعطت هذه المشاريع لأوطانها؟ ماذا بنت؟ ماذا تركت وراءها غير الشعارات؟ وهل قدمت شيئاً مهما ليُزعل عليها؟

وللحق، لا يشعر كثير من اللبنانيين بأنّهم على وشك خسارة شيء ثمين إذا خسر حزب الله حربه ومشروعه الحالي. فبعد أكثر من أربعة عقود، لا تبدو حصيلة التجربة مغرية إلى هذا الحد.

لم يكن الحزب يوماً مشروعاً لبناء دولة حديثة. لم يطرح نفسه كحزب إصلاحي، أو كتيار ليبرالي، أو كحركة سياسية تقدمية تحمل رؤية اقتصادية أو اجتماعية مفيدة للبنان المستقبل. كان، وما زال، حزباً عقائدياً مغلقاً، يقوده رجال دين متشددون، وتستند شرعيته الفكرية والسياسية إلى مرجعية دينية خارج الحدود اللبنانية. حزب مسلح، متزمت، عنيف، عدائي، ورجعي، ينتمي للماضي أكثر مما ينتمي للمستقبل.

خلال السنوات الماضية، تغيّر العالم مرات عديدة. سقطت أيديولوجيات كبرى. تبدلت أنظمة. أعادت دول كاملة تعريف نفسها. انتقلت مجتمعات من الحروب إلى التكنولوجيا، ومن الاقتصاد التقليدي إلى اقتصاد المعرفة. أما هذا المشروع، فبقي أسير الفكرة نفسها. فكرة التعبئة الدائمة. فكرة الجبهة المفتوحة. فكرة الجهاد. وفكرة أنّ المجتمع يجب أن يعيش على إيقاع المعركة. وفكرة أنّ المستقبل يمكن دائماً تأجيله، لأنّ هناك حرباً أهم.

حتى الزمن داخل مشروع حزب الله يبدو معطلاً. هو لا يعيش في القرن الحادي والعشرين بقدر ما يعيش في ذاكرة تاريخية طويلة، مليئة بالثارات والوقائع القديمة والرموز المذهبية.

العالم يبني جامعات ومختبرات وشركات تكنولوجيا. وهنا، لا يزال الخطاب يدور حول معارك مضى عليها عقود أو قرون. العالم يتنافس على جذب العقول. وهنا، تُستنزف العقول في الهجرة أو في الحروب. العالم يخطط لما ستكون عليه المدن بعد خمسين عاماً. وهنا، لا يزال النقاش يدور حول الحرب الحالية والمقبلة.

ثم تأتي الاسئلة البديهية: ماذا قدّم نموذج حزب الله للبنان؟ هل بنى اقتصاداً؟ هل عزّز من مكانة الفرد اللبناني؟ هل صنع استقراراً؟ هل شارك بصنع شيء مفيد للمستقبل؟

ومع ذلك، يتصرف بعض المدافعين عنه وكأنّهم يدافعون عن حزب ليبرالي أوروبي أو عن تجربة ديمقراطية نموذجية تستحق الثناء، التقدير والتقليد.

المفارقة أنّ أحداً لا يشرح ما الذي نخسره، كنموذج حضاري أو إنساني، إذا خسر هذا المشروع؟ ما الفكرة العظيمة التي يحملها الحزب للبنان والمجتمع سوى أنّ السلاح يسبق الدولة، وأنّ الولاء للخارج يسبق الولاء للوطن، وأنّ المجتمع يُستدعى دائماً إلى الحرب أكثر مما يُدعى إلى الحياة؟