لبنان المرهق صحياً.. حرب تُخاض داخل الأجساد
لبنان المرهق صحياً.. حرب تُخاض داخل الأجساد
الحرب تمتد آثارها من الجهاز العصبي إلى القلب، ومن الجهاز الهضمي إلى الصحة النفسية، لتترك بصمتها على الجسد كله.
في لبنان، الحرب لم تعد حدثاً عسكرياً يُقاس بعدد الغارات أو خطوط الجبهة، بل تحوّلت إلى أزمة صحية صامتة تعيد تشكيل حياة الناس اليومية بشكل أعمق مما يظهر على السطح. فبين النزوح المتكرر، وتقلّب الأوضاع الأمنية، وضغط الحياة في مراكز الإيواء، بدأت تتبلور خريطة أمراض جديدة لا تقل خطورة عن الإصابات المباشرة.
تقارير الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية تشير إلى أنّ النزاعات المسلحة لا تؤدي فقط إلى وفيات مباشرة، بل ترفع بشكل واضح معدلات الأمراض غير المباشرة، مثل أمراض الجهاز الهضمي، اضطرابات القلب والأوعية الدموية، والسكتات الدماغية، نتيجة التوتر النفسي المزمن الذي يرافق الحياة في مناطق الحرب.
هذا ما يؤكده أطباء ميدانيون في لبنان، إذ يشيرون إلى أنّ الضغط النفسي الناتج عن الحرب لا يبقى في الإطار النفسي فقط، بل يتحول تدريجياً إلى أعراض جسدية: ارتفاع ضغط الدم، اضطرابات في الهضم، مشاكل في النوم، وتراجع في المناعة، ما يجعل الجسم أكثر عرضة للأمراض المزمنة أو لتفاقمها.
لكن الصورة تصبح أكثر تعقيداً عند النظر إلى واقع النزوح. فوفق تقارير أممية حديثة، تجاوز عدد النازحين في لبنان مستويات كبيرة خلال التصعيد الأخير، مع تسجيل أكثر من مليون شخص في حالة نزوح داخلي خلال فترات الذروة، أي ما يقارب جزءاً أساسياً من السكان في بعض المناطق.
في مراكز الإيواء المكتظة، تتداخل الأزمات الصحية. فغياب شروط النظافة الكافية، وصعوبة الوصول إلى المياه النظيفة، والاكتظاظ السكاني، كلها عوامل تؤدي إلى ارتفاع خطر الأمراض المعدية والتنفسية والهضمية، خصوصاً لدى الأطفال. وتشير تقارير أممية إلى أن الأطفال يشكلون الفئة الأكثر تضرراً، مع تسجيل مئات الإصابات خلال فترات التصعيد، إضافة إلى تأثيرات نفسية حادة تمتد على المدى الطويل.
لكن الأخطر من ذلك هو ما لا يُرى بسهولة: التحوّل البطيء في الصحة العامة نتيجة التوتر المستمر. تقرير صادر عن منظمات إنسانية يوضح أنّ جزءاً كبيراً من السكان في مناطق النزاع يعيش في حالة قلق دائم واضطرابات نفسية، تشمل الاكتئاب، اضطرابات النوم، ونوبات الذعر، ما ينعكس مباشرة على الصحة الجسدية لاحقاً.
في موازاة ذلك، يواجه النظام الصحي اللبناني ضغطاً هائلاً. فالمستشفيات تعمل فوق طاقتها، وبعضها تعرض لأضرار مباشرة أو توقف جزئي خلال فترات التصعيد، ما ينعكس على القدرة في متابعة المرضى المزمنين، خصوصاً مرضى القلب، السكري، والسرطان. كما أنّ نقص الإمدادات الطبية والضغط على الكوادر الصحية يزيد من هشاشة النظام الصحي ككل.
وعلى المستوى الغذائي، حوالي ١.٢٤ مليون شخص في لبنان بحسب الدراسات يعانون من انعدام أمن غذائي حاد، ما ينعكس مباشرة على سوء التغذية لدى الأطفال وضعف المناعة وانتشار الأمراض الموسمية .
الأطفال، بدورهم، يظهرون كأكثر الفئات هشاشة في هذا المشهد. فإلى جانب خطر الأمراض المعدية، هناك تراجع في التغذية السليمة، وانقطاع التعليم في بعض الحالات، وارتفاع في معدلات القلق والاكتئاب. وتشير بيانات أممية إلى أنّ نسبة كبيرة من الأطفال النازحين أظهروا علامات توتر نفسي شديد خلال فترات الحرب. وفي هذا السياق قد قُتل منذ إعلان الهدنة٥٥ طفلًا وجرح ٢١٢ آخرون، وفق المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) ريكاردو بيريس. ووصفت المنظمة الحصيلة بأنّها «مروعة»، في وقت تتواصل فيه الغارات الإسرائيلية رغم اتفاق وقف إطلاق النار المعلن.
أما النساء، فالأزمة الصحية تأخذ بُعداً أكثر تعقيداً. فضعف خدمات الصحة الإنجابية، وانقطاع المتابعة الطبية خلال الحمل، وصعوبة الوصول إلى الرعاية الأساسية، كلها عوامل تزيد من المخاطر الصحية عليهن، في وقت يتحملن فيه أيضاً العبء الأكبر داخل مراكز النزوح.
إلى جانب ذلك، تبرز أزمة غذاء متفاقمة، إذ تشير تقديرات حديثة إلى أنّ أكثر من مليون شخص في لبنان يواجهون مستويات من انعدام الأمن الغذائي، ما ينعكس مباشرة على صحة الأطفال والحوامل وكبار السن، ويزيد من احتمالات سوء التغذية وضعف المناعة.
في المحصلة، تبدو الحرب في لبنان اليوم أكثر من مجرد أزمة أمنية أو سياسية. إنّها تحوّل عميق في الصحة العامة، حيث تمتد آثارها من الجهاز العصبي إلى القلب، ومن الجهاز الهضمي إلى الصحة النفسية، لتصنع واقعاً صحياً جديداً يتشكل بصمت، لكنه يترك أثراً طويل الأمد على جيل كامل يعيش تحت ضغط مستمر.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ما يحدث هو أزمة طارئة ستنتهي بانتهاء الحرب، أم بداية تغيّر طويل في بنية الصحة العامة في لبنان يصعب عكسه لاحقاً؟

