هموم الطوائف وهموم الشيعة.. لكلٍ حربه الخاصة
هموم الطوائف وهموم الشيعة.. لكلٍ حربه الخاصة
الفجوة الشعورية هائلة بين جماعة ترى الحرب مسألة وجودية، وجماعات أخرى تعتبرها حرباً تخص «حزب الله» أكثر مما تخص لبنان كله.
في الحروب الكبرى، لا تتشابه الجماعات في طريقة رؤيتها للنار. فالحرب الواحدة، في بلد كلبنان، لا تعني الشيء نفسه للجميع. قد تسقط الصواريخ نفسها على الجغرافيا نفسها، لكن وقعها النفسي والسياسي والاجتماعي يختلف من طائفة إلى أخرى، إلى حدّ يبدو معه لبنان وكأنّه يعيش أكثر من حرب وأكثر من معركة في الوقت نفسه.
اليوم، يعيش الشيعة حرباً كاملة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. ليست مجرد مواجهة عسكرية بين «حزب الله» وإسرائيل، بل تجربة جماعية شاملة تكاد تبتلع الحياة اليومية برمتها. الجنوب بات مساحة مدمّرة، القرى تُفرغ، المنازل تُسوّى بالأرض، والناس ينتقلون من بلدة إلى أخرى حاملين ما بقي من حياتهم في حقائب صغيرة أو في ذاكرة هواتفهم.
في باحات «البيال» والمدارس والمراكز المؤقتة، يجلس النازحون الشيعة أمام شاشات هواتفهم يتفقدون صور الأقمار الاصطناعية. هنا كان المنزل. هنا كان الدكان. هنا كان الحقل. هنا كانت شجرة التين. وهناك، على تلك التلة البعيدة، تقدمت القوات الإسرائيلية بضعة كيلومترات إضافية. صار الحديث اليومي يدور حول بنت جبيل والخيام وزوطر الشرقية والقرى التي تحولت إلى أسماء مرتبطة بصور الركام أكثر مما هي مرتبطة بالجغرافيا نفسها.
وفي موازاة ذلك، يتناقل الشيعة أخبار «المعارك البطولية»، والخسائر الإسرائيلية، والكمائن، والصمود بالكثير من المبالغة، كما لو أنّ رواية الحرب نفسها أصبحت جزءاً من آلية الصمود النفسي أمام حجم الخراب الهائل. فحين تصبح البيوت خارج الخدمة، يصبح الانتصار الرمزي أحياناً آخر ما يمكن التمسك به.
لكن خارج هذه البيئة، تبدو الصورة مختلفة تماماً. ليس بالضرورة لأنّ الآخرين يكرهون الشيعة أو يشمتون بهم، بل لأنّ كل جماعة في لبنان تعيش داخل أولوياتها الخاصة، وداخل مخاوفها الخاصة أيضاً. فالسنّة، مثلاً، تبدو اهتمامات قسم كبير منهم منصرفة إلى عودة سعد الحريري إلى الحياة السياسية، وإلى النقاشات المتعلقة بالشيخ أحمد الأسير، وإلى ما يجري في سوريا أكثر مما يجري في الجنوب اللبناني. كثيرون يراقبون تثبيت أحمد الشرع لسلطته هناك، وبعضهم ينظر إلى المشهد السوري بوصفه المدخل الحقيقي لتوازنات المنطقة المقبلة، لا إلى معارك القرى الحدودية في الجنوب.
أما الدروز، فهواجسهم مختلفة بدورهم. ما يعنيهم اليوم هو مصير دروز سوريا، والخوف من أن تؤدي المغامرات السياسية والعسكرية المحيطة بهم إلى كارثة وجودية جديدة. وفي الداخل اللبناني، يبقى الهم الأساسي عند كثيرين منهم هو حماية الجبل وإبعاده عن الانفجار الكبير، أكثر من الانخراط العاطفي الكامل في حرب الجنوب.
والمسيحيون بدورهم لا يعيشون الحرب بالطريقة نفسها. القسم الأكبر من القلق المسيحي اليوم يتركز حول القرى المسيحية الحدودية التي بقي أهلها فيها، كرميش ودبل وعين إبل ومرجعيون وغيرها. هناك خوف من أن يؤدي توسّع الحرب إلى تهجير هذه القرى أيضاً، لا سيما أنّ تجربة التهجير في الذاكرة المسيحية اللبنانية ليست تفصيلاً عابراً. وفي الوقت نفسه، يظهر داخل شرائح واسعة من المسيحيين، كما عند قسم لابأس به من الدروز، حماس متزايد لفكرة السلام مع إسرائيل، أو على الأقل لفكرة إنهاء زمن الحروب المفتوحة معها، بعدما بات كثيرون يعتبرون أنّ لبنان يدفع أثماناً لا يملك القدرة على تحملها.
أما الأرمن، الذين اعتادوا تاريخياً بناء مسافة معينة عن الصراعات الكبرى في البلد، فيبدون وكأنّهم يعيشون في مكان آخر تماماً. ففي وقت تتساقط فيه القرى الجنوبية الواحدة تلو الأخرى، ينشغل كثيرون منهم بوصول لاعب كرة السلة المصري حمد فتحي أبو الريش إلى نادي الهومنتمن، وبطوله الاستثنائي الذي يبلغ 2.35 سنتيمتراً، وكأنّ الخبر الرياضي، بالنسبة إليهم، أكثر التصاقاً بحياتهم اليومية من أخبار الجبهة الجنوبية.
طبعاً، سيكون من السذاجة أو الظلم اختزال كل طائفة بصورة واحدة جامدة. داخل كل جماعة هناك من يتضامن، ومن يخاف، ومن يرفض الحرب، ومن يؤيدها، ومن يشعر بالألم الحقيقي لما يجري في الجنوب. لكن، رغم ذلك، يبقى واضحاً أنّ ما يعيشه الشيعة اليوم لا يُعاش بالحدة نفسها عند بقية اللبنانيين. هناك فجوة شعورية هائلة بين جماعة ترى الحرب مسألة وجودية يومية، وجماعات أخرى تراقبها من بعيد، أو تعتبرها حرباً تخص «حزب الله» أكثر مما تخص لبنان كله.
وهنا تحديداً تظهر الحقيقة اللبنانية الأكثر قسوة: إنّ هذا البلد، بعد أكثر من مئة عام على قيامه، ما زال يفتقر إلى شعور جماعي موحد تجاه الأحداث الكبرى. لكل جماعة ذاكرتها الخاصة، وأولوياتها الخاصة، وخوفها الخاص، وحتى حربها الخاصة. وحين تقع الكارثة، لا تقع على الجميع بالدرجة نفسها، ولا تُقرأ بالمعنى نفسه.
ربما لهذا السبب يبدو لبنان أحياناً أقل شبهاً بالدول، وأكثر شبهاً بمساحة تعايش مؤقت بين جماعات متجاورة، تلتقي في الإدارة والمؤسسات والحدود، لكنها لا تلتقي دائماً في الإحساس العميق بالمصير الواحد. ولعل أحداً لم يختصر هذه الحقيقة بمرارة ساخرة كما فعل زياد الرحباني حين قال: «هي بلد، لأ مش بلد، هيي قرطة عالم مجموعين...».

