كيف تحوّل سلاح « الردع » الى عبء يومي على الدولة واللبنانيين
كيف تحوّل سلاح « الردع » الى عبء يومي على الدولة واللبنانيين
الجنوب اللبناني، الذي قيل لعقود إنّه «محمي بسلاح المقاومة»، أصبح أكثر المناطق استنزافاً وفقراً وتراجعاً.
في لبنان، لم يعد مصطلح «سلاح الردع» يُستعمل كما كان يُطرح سابقاً بوصفه أداة حماية أو توازن. فبعد سنوات طويلة من الحروب والتوترات والانهيارات، تحوّل هذا السلاح تدريجياً من خطاب دفاعي إلى عبء يومي يضغط على الدولة والمجتمع والاقتصاد، ويُدخل اللبنانيين في حالة دائمة من الخوف وعدم الاستقرار. وما بين الجنوب وبيروت، وبين المواطن والدولة، تظهر اليوم كلفة هذا السلاح بشكل أوضح من أي وقت مضى.
الجنوب اللبناني، الذي قيل لعقود إنّه «محمي بسلاح المقاومة»، أصبح في المقابل أكثر المناطق استنزافاً وفقراً وتراجعاً. فمنذ حرب عام ٢٠٢٤ وحتى اليوم، لم يعُد الجنوبي يعيش حياة طبيعية. القرى الحدودية تحوّلت إلى مناطق قلق دائم، والمواسم الزراعية أصابها الشلل، والاستثمارات اختفت بالكامل، فيما أصبح السكان يعيشون بين احتمالات الحرب والنزوح والانهيار الاقتصادي. هنا تحديداً، يظهر التناقض الأكبر: كيف يمكن لمنطقة تحمل كل هذا «السلاح الردعي» أن تكون في الوقت نفسه الأكثر خوفاً والأقل استقراراً؟
المشكلة لم تعد فقط في وجود السلاح، بل في تحوّله إلى قرار فوق الدولة نفسها. فحين يصبح قرار الحرب والسلم خارج المؤسسات الشرعية، تفقد الدولة دورها الطبيعي وتتحوّل إلى مجرد هيكل إداري عاجز عن حماية مواطنيه أو رسم سياسات مستقلة. وهذا ما كرّس واقع «الدويلة داخل الدولة»، حيث توجد سلطة تمتلك قراراً عسكرياً وأمنياً يتجاوز المؤسسات الرسمية، فيما يُطلب من اللبنانيين تحمّل النتائج الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لهذا الواقع.
اقتصادياً، يدفع لبنان ثمناً باهظاً لهذا المشهد. فالدول لا تستثمر في بيئة مفتوحة على احتمالات الحرب، والسياحة لا تزدهر في بلد تُنقل أخباره يومياً باعتباره جبهة محتملة للاشتعال. قبل سنوات، كان لبنان يُعرف كوجهة سياحية ومركز اقتصادي وخدماتي في المنطقة، أما اليوم فأصبح يعيش عزلة متزايدة وخوفاً دائماً من الانفجار الأمني. الفنادق والمطاعم والمؤسسات التجارية لم تعد تخسر بسبب الأزمة الاقتصادية فقط، بل بسبب صورة بلد غير مستقر، مرتبط دائماً بالسلاح والتوتر والمواجهة.
ولعلّ واحدة من أخطر نتائج هذا الواقع هي التحوّل النفسي والاجتماعي الذي أصاب اللبنانيين، وخصوصاً أبناء الجنوب. فالأجيال الجديدة لم تعد تفكر ببناء مستقبل داخل البلاد، بل بالهجرة منها. الشاب الجنوبي الذي كان يحلم بمشروع أو بيت أو استقرار، أصبح يبحث عن تأشيرة سفر أو فرصة هروب من واقع لا يقدّم له سوى الخوف والخسارة. وحتى الذين نزحوا إلى بيروت أو المدن الأخرى، حملوا معهم عبء النزوح والضغط الاقتصادي والاجتماعي، ما ساهم في زيادة الاكتظاظ والفوضى وارتفاع تكاليف المعيشة في العاصمة ومحيطها.
بيروت نفسها باتت تعيش نتائج هذا الانهيار المركّب. فالمدينة التي تعاني أساساً من انهيار الخدمات والبنى التحتية، وجدت نفسها أمام ضغط سكاني إضافي، الإيجارات ارتفعت، الخدمات تراجعت أكثر، والقدرة الاستيعابية للمدن أصبحت أضعف من تحمّل هذا الواقع المستمر. وفي المقابل، السبب الحقيقي لهذا النزيف البشري والاجتماعي المتواصل بات واضحاً أمام أعين النازحين.
الأخطر من كل ذلك، أنّ خطاب «الردع» نفسه لم يعد يقنع غالبية اللبنانيين الذين يرون أنّ هذا السلاح لم يردع الانهيار الاقتصادي، ولم يمنع عزلة لبنان العربية والدولية، ولم يؤمّن حماية اجتماعية للناس، بل ساهم في تكريس منطق القوة خارج الدولة. فالدولة التي لا تحتكر السلاح، تتحوّل حكماً إلى دولة ضعيفة، عاجزة عن فرض سيادتها أو بناء مؤسساتها أو جذب الاستثمارات إليها.
وفي كل مرة يُطرح فيها النقاش حول هذا السلاح، يُواجه اللبنانيون بمنطق التخوين أو التخويف أو استحضار الحروب السابقة، فيما السؤال الحقيقي يبقى غائباً: إلى متى سيبقى اللبنانيون يدفعون أثمان قرارات لا يشاركون في اتخاذها؟ وإلى متى سيبقى الجنوب ساحة مفتوحة للحروب فيما أبناؤه يغرقون بالفقر والهجرة والخسارات؟
لقد تحوّل «سلاح الردع» من شعار يُرفع باسم الحماية، إلى واقع يومي يرهق اللبنانيين والدولة معاً. فحين يصبح المواطن خائفاً من المستقبل، والاقتصاد مرتبطاً بإيقاع التوتر، والسياحة رهينة أي تصعيد، يكون السلاح قد تجاوز فكرة «الحماية» إلى صناعة أزمة وطنية مستمرة.
لبنان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى دولة فعلية تمتلك وحدها قرار الحرب والسلم، وتحمي مواطنيها بالقانون والمؤسسات والاقتصاد والاستقرار، لا بمنطق الجبهات المفتوحة. فالأوطان لا تُبنى بسلاح خارج الدولة، بل بدولة لا يكون فوقها أي سلاح.
