إصرار شيباني على البقاء.. تحدٍ للدولة أم مهمة استخباراتية؟

إصرار شيباني على البقاء.. تحدٍ للدولة أم مهمة استخباراتية؟

  • ٢٨ آذار ٢٠٢٦
  • ماريانا الخوري

الإصرار على البقاء، هل هو استعراض قوة ومكابرة سياسية؟ أم أنّ النظام الإيراني لم يعتَد أصلا على تلقي أوامر من دول يعتبرها ضمن نطاق نفوذه؟ أم أنّ خلف هذا الإصرار هناك أدوار أمنية أو استخباراتية؟

لم يقُم السفير الإيراني بعد بتقديم أوراق اعتماده إلى رئيس الجمهورية، ما يعني أنّ قرار طرده جاء بعد قبول اعتماده، ولكن قبل استكمال الأصول البروتوكولية وتسليم أوراق الإعتماد رسميًا.

يستند هذا القرار إلى المادة 9 من إتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، التي تمنح الدولة المعتمد لديها الحقّ، في أي وقت ومن دون إبداء الأسباب، في إبلاغ الدولة المعتمدة بأنّ أحد أعضاء بعثتها أصبح شخصًا غير مرغوب فيه، ما يوجب عليها استدعاءه أو إنهاء مهامه.

صلاحية طرد السفير تدخل حصرًا ضمن اختصاص السلطة التنفيذية، ولا يملك أي طرف آخر صفة دستورية للتدخل في هذا القرار. وعليه، فإنّ أي محاولة لعرقلة تنفيذ الطرد، أياً يكن مصدرها، تبقى خارج الإطار الدستوري. وفي حال الإعتراض السياسي، يبقى المسار الوحيد المتاح هو سحب الثقة من الحكومة لإجبارها على التراجع أو دفعها إلى الاستقالة.

تاريخيًا، شهد لبنان حالات مماثلة، لا سيما قبل اتفاق الطائف. ففي عام 1969 تم طرد أعضاء من البعثة السوفياتية على خلفية تورطهم في محاولة خطف طائرة «ميراج» تابعة للجيش اللبناني. كما سُجلت حالة أخرى عام 1982، مع طرد دبلوماسيين إيرانيين خلال الحرب الأهلية.

أما بعد اتفاق الطائف، فتبرز سابقة بارزة في 12 نيسان عام 1994، عقب اغتيال المعارض العراقي طالب التميمي في بيروت، على يد مسؤولين في السفارة العراقية. حينها طلبت الحكومة اللبنانية رفع الحصانة عن المتهمين، إلا أنّ العراق رفض، فقررت بيروت قطع العلاقات الدبلوماسية ومنحت أعضاء السفارة مهلة إثنتين وسبعين ساعة للمغادرة.

ومنذ ذلك الحين، لم يُسجل إجراء مماثل، حتى في أكثر المراحل توترًا، إذ لم يصل الأمر إلى حد طرد سفير نظام البعث من لبنان.

لكن السؤال الأبرز اليوم: ماذا لو حلّ يوم الأحد ولم يغادر السفير الإيراني؟

الدعم العلني والفجّ الذي يتلقاه من الثنائي الشيعي للبقاء داخل مقر السفارة، في تحدٍ مباشر لقرار الدولة اللبنانية، لا يمكن فصله عن سياق أوسع يتصل بمفهوم السيادة وهيبة المؤسسات. فإذا بقي داخل حرم السفارة، لا يمكن ترحيله قسرًا، باعتبار أنّ مقر البعثة يتمتع بحصانة دبلوماسية، وأي دخول أمني إليه يُعد انتهاكًا للعلاقات الدولية مع ايران.

أما في حال خروجه، فيُفترض قانونًا أن يُعامل كأي أجنبي لا يحمل إقامة، وأن يتم توقيفه وتسليمه إلى الأمن العام تمهيدًا لترحيله. إلا أنّ هذا المسار يبدو نظريًا أكثر منه واقعيًا، في ظل التعقيدات السياسية القائمة. وفي حال تواريه عن الأنظار، يُعد فارًا من العدالة، لكن حتى في هذه الحالة، فإنّ طريقة تعاطي أجهزة إنفاذ القانون في تنفيذ قرارات الحكومة، والخاضعة للتوازنات السياسية القائمة، تجعل من تنفيذ أي إجراء بحقه أمرا شديد الاستبعاد.

إعلان السفير «شخصًا غير مرغوب فيه» لا يعني بالضرورة قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران، إذ يمكن تعيين بديل عنه. إلا أنّ الإصرار على البقاء يطرح تساؤلات تتجاوز الإطار الدبلوماسي: لماذا هذا الإصرار على البقاء؟ هل هو مجرد استعراض قوة ومكابرة سياسية؟ أم أنّ النظام الإيراني لم يعتَد أصلا على تلقي أوامر من دول يعتبرها ضمن نطاق نفوذه؟ أم أنّ خلف هذا الإصرار ما هو أخطر، ليتجاوز الدبلوماسية إلى أدوار أمنية أو استخباراتية؟

في جميع الأحوال، فإنّ بقاءه في لبنان بعد قرار طرده لا يحمل أي قيمة قانونية أو دبلوماسية، ولا يتيح له ممارسة أي من مهامه، سواء في التمثيل أو التوقيع أو حتى منح التأشيرات.

في المقابل، يفتح هذا القرار الباب أمام تداعيات متعددة، أبرزها احتمال الرد بالمثل عبر طرد السفير اللبناني من طهران، أو توجيه رسالة سياسية واضحة برفض التدخل في الشؤون الداخلية، أو، وهو الأخطر، انفجار مواجهة سياسية داخلية قد تتطور إلى أزمة حكومية وربما شلل في مؤسسات الدولة.

في المحصلة، لا تكمن المشكلة في سفير يأتي أو آخر يُطرد، ولا في قرار يُتخذ أو يُعلّق، بل المشكلة أنّ لبنان لا يزال يعيش بين دولتين: دولة تريد أن تكون دولة، ودويلة لا تسمح لها أن تصبح دولة.