هل خسرت الولايات المتحدة حلفاءها التاريخيين؟
هل خسرت الولايات المتحدة حلفاءها التاريخيين؟
دول جديدة في قلب التحالف العسكري مع واشنطن قد يعكس بداية انتقال تدريجي في مراكز الثقل داخل أوروبا
على مدى أكثر من قرن، شكّل التحالف بين الولايات المتحدة وكل من بريطانيا وفرنسا أحد أعمدة النظام الدولي الغربي. فمنذ الحربين العالميتين مروراً بالحرب الباردة، كانت واشنطن ولندن وباريس تتحرك غالباً ضمن جبهة واحدة في معظم الأزمات الكبرى. هذا التحالف لم يكن مجرد تقارب سياسي، بل كان يمثل العمود الفقري للتحالف الغربي في مواجهة القوى المنافسة.
لكن الحرب الأخيرة مع إيران كشفت مؤشرات مختلفة قد تعكس تحولاً تدريجياً في موازين التحالفات داخل المعسكر الغربي نفسه. فبينما كانت الولايات المتحدة تقود العمليات العسكرية ضد إيران، بدا لافتاً أنّ الحليفين التقليديين، بريطانيا وفرنسا، لم يظهرا في المشهد العسكري بالشكل الذي كان متوقعاً.
المواقف الرسمية في لندن وباريس كانت حذرة إلى حد بعيد. فالمسؤولون في البلدين أكدوا في أكثر من مناسبة أنّهم لا يعتزمون الإنخراط المباشر في الحرب. حتى بعد الهجمات بالطائرات المسيّرة التي أطلقتها إيران باتجاه أهداف مرتبطة ببريطانيا في قبرص، بقيت الردود السياسية والعسكرية محدودة، ما عزّز الانطباع بأنّ هذين الحليفين التاريخيين يفضلان الإبتعاد عن الإنخراط المباشر في هذه المواجهة.
في المقابل، برزت أسماء دول أوروبية أخرى تلعب أدواراً لافتة في دعم العمليات الأميركية. من بين هذه الدول اليونان، التي تشير مصادر عسكرية متعددة إلى أنّها تحولت إلى مركز لوجستي أساسي لنقل القوات والمعدات الأميركية نحو الشرق الأوسط. بعض التقارير تحدثت أيضاً عن دور للقوات الجوية اليونانية في المشاركة بعمليات الدفاع الجوي فوق قبرص لاعتراض الطائرات المسيّرة القادمة من الشرق.
إلى جانب اليونان، ظهرت ألمانيا كأحد أبرز الداعمين الأوروبيين للموقف الأميركي في هذه الحرب. فبرلين كانت من بين القوى الأوروبية القليلة التي أعلنت بوضوح دعمها للتحرك العسكري ضد إيران، في موقف يعكس تحولات مهمة داخل السياسة الخارجية الألمانية التي كانت تقليدياً أكثر تحفظاً في القضايا العسكرية.
هذه التطورات تفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول شكل النظام الدولي بعد انتهاء الحرب. فظهور دول جديدة في قلب التحالف العسكري مع واشنطن قد يعكس بداية انتقال تدريجي في مراكز الثقل داخل أوروبا، حيث قد تلعب دول مثل ألمانيا واليونان أدواراً أكبر في الملفات الأمنية والعسكرية.
كما أنّ هذا التحوّل قد ينعكس أيضاً على ملفات دولية أخرى، أبرزها الحرب في أوكرانيا. بعض المراقبين لا يستبعدون أن يؤدي تباين المواقف داخل أوروبا إلى دفع الولايات المتحدة نحو البحث عن تسويات مختلفة مع روسيا، ربما لا تتطابق بالكامل مع المصالح الأوروبية التقليدية.
في كل الأحوال، ما تكشفه الحرب الحالية يتجاوز حدود الشرق الأوسط. فهي قد تكون مؤشراً على بداية مرحلة جديدة في العلاقات الدولية، مرحلة يعاد فيها رسم التحالفات التقليدية التي حكمت السياسة العالمية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

