أرقام (غير) بريئة... «الأخبار» تلعب بالكبريت والنار

أرقام (غير) بريئة... «الأخبار» تلعب بالكبريت والنار

  • ١٩ شباط ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

سلّمونا النظام، نسلّمكم سلاح «الحزب». كأنّ هوية لبنان الدستورية باتت بنداً تفاوضياً مع منظمة خارجة عن القانون وقعت بنفسها مع إسرائيل على وثيقة استسلامها، وكأنّ التوازنات التي حُفظت بالدم، يمكن تعديلها بمقالة رأي أو رسم بياني.

تعمد جريدة «الأخبار»، الموالية لمنظمة «حزب الله»، بين فترة وأخرى، إلى نشر مقالات مدعّمة بإحصاءات حول تناقص أعداد المسيحيين في لبنان. أرقام تُقدَّم ببرودة الباحثين وحياد الجداول، كأنّها عمل ديموغرافي بريء، أو تمرين أكاديمي لا أكثر. لكن من يعرف لبنان، ومن يفهم كيف تُستخدم الأرقام في بلد لم يكن يوماً محكوماً بالإحصاء بل بالرصاص والتوازنات، يدرك أنّ ما يُنشر ليس مجرد قراءة سكانية، بل مدماك أول في بناء سياسي خطير، يُراد له أن يغيّر هوية النظام لا أن يفسِّر حركة المجتمع.

لا أحد ينكر الأرقام. الجماعات تتناقص وتتزايد، والهجرة تأكل من الجميع، والولادات لم تعد كما كانت، والديموغرافيا كائن حيّ يتبدل مع الزمن. هذا أمر طبيعي في كل دول العالم، ولا يحتاج إلى حملة مركّزة ولا إلى افتتاحيات شبه دورية لتثبيته في الوعي العام. لكن في لبنان، لا تُقرأ الأرقام كما تُقرأ في كندا أو السويد. هنا، كل رقم هو رصاصة مؤجلة، وكل نسبة مئوية مشروع نزاع، وكل رسم بياني سؤال عن  من سيَحكم ومن سيُحكم.

المشكلة ليست في الإحصاء، بل في السياق. ليست في الأرقام، بل في  ما يُراد تحميلها إياه. حين تتحول أرقام المسيحيين إلى مادة سياسية، وحين تُفصل عن أرقام الشيعة والسنّة والدروز، وحين يُصار إلى تضخيمها وتكرارها وربطها صراحة أو تلميحاً بـ«اختلال التوازن»، يصبح واضحاً أنّ الهدف ليس توصيف الواقع، بل تهيئة الرأي العام لفكرة واحدة: هذا النظام لم يعد صالحاً، وهذه الصيغة يجب أن تتغيّر.

وهنا تحديداً يبدأ الخطر. لأنّ الحديث لا يقف عند حدود القلق الديموغرافي، بل ينفتح مباشرة على قاموس معروف: المثالثة، إعادة توزيع السلطة، تعديل النظام، أو، في الصيغة الأكثر وقاحة، تبادل سياسي: سلّمونا النظام، نسلّمكم سلاح «الحزب». كأنّ هوية لبنان الدستورية باتت بنداً تفاوضياً مع منظمة خارجة عن القانون وقعت بنفسها مع إسرائيل على وثيقة استسلامها، وكأنّ التوازنات التي حُفظت بالدم، يمكن تعديلها بمقالة رأي أو رسم بياني.

لنكن واضحين حتى القسوة: لن يحصل أحد على أي تعديل في النظام السياسي. لا اليوم، ولا غداً، ولا تحت ضغط الأرقام، ولا تحت تهديد السلاح، ولا عبر الإبتزاز الديموغرافي. الطائفية السياسية، بمعناها الواقعي لا النظري، أي التمثيل المسبق المحفوظ والمتوازن للطوائف في الدولة، ليست تفصيلاً يمكن العبث به، بل هي السقف الأخير لمنع الإنفجار. وسندافع عنها، لا لأنّها مثالية، بل لأنّها آخر ما تبقى لمنع تحوّل لبنان إلى ساحة صراع مفتوحة. سندافع عنها ولو على جثثنا، لأنّ البديل عنها ليس دولة عادلة، بل دولة الغلبة.

كل من يزايد بالحوار والطاولات المستديرة والكلام في المقاهي والـ«vaping»، إما جاهل بتاريخ هذا البلد أو منافق. الأنظمة في لبنان لم تتغيّر يوماً بالحوار. لم تتغيّر بالنقاش الهادئ ولا بالبيانات ولا بالندوات ولا عبر جرائد الصحف أو الحانات والمقاهي. تغيّرت دائماً بالحرب والدم. من نظام القائمقاميتين إلى المتصرفية، من المتصرفية إلى لبنان الكبير، من الجمهورية الأولى إلى ما بعد الحرب، وصولاً إلى إتفاق الطائف. كل إنتقال كان نتيجة صراع ودم وعذاب، لا نتيجة توافق وحوار. وكل من يفتح اليوم نقاش «تعديل النظام» تحت أي عنوان، يعرف تماماً أنّه يفتح الباب أيضاً على الحرب والدم والفوضى.

من هنا، فإنّ هذا المسار الذي تسلكه جريدة «الأخبار» ليس بريئاً، ولا يمكن فصله عن البيئة السياسية التي تنتمي إليها. هو مسار يُزكّي الحرب حتى لو لم يسمّها، ويُشرعن الفوضى حتى لو لبّسها ثوب الأرقام. هو مسار يقول للبنانيين: توازنكم انتهى، ونظامكم لم يعد يعكس الواقع، وما عليكم إلا القبول بالتغيير. لكن ما لا يُقال، وما يُخفى بين السطور، هو أنّ هذا «التغيير» لا يأتي إلا بلغة واحدة، لغة الكسر.

لبنان ليس دولة تُدار بالإحصاءات، بل بتوازنات هشّة صمدت لأنّها محميّة بصيغة واضحة. العبث بهذه الصيغة، تحت أي ذريعة، ليس إصلاحاً بل مقامرة. ومن يروّج لها، سواء بقصد أو بدونه، لا يمارس صحافة، بل يلعب بالكبريت. أما النار، حين تشتعل، فلا تسأل من أشعلها ولا لماذا، بل تحرق الجميع، فتتحول أرقام الإحصاءات السكانية إلى أرقام إحصاءات للجرحى والقتلى والجثث المتفحمة.