بالفيديو: نانسي غميد…كان الماضي قاسيًا إلى هذا الحد؟ .. نعم، كان قاسيًا
بالفيديو: نانسي غميد…كان الماضي قاسيًا إلى هذا الحد؟ .. نعم، كان قاسيًا
تربية الأولاد مسؤولية عظيمة، فكيف إذا حملتها امرأة بمفردها؟ المجتمع سريع في إطلاق الأحكام، بطيء في تقديم الدعم. بدل أن يسألها: «كيف أساعدك؟» يسألها: «لماذا لم تصبري؟»
في الحلقة ١٣ من برنامج «هيدا أنا»مع الياس معلوف على منصة بيروت تايم، تفتح المؤثرة نانسي غميد صفحات من حياتها بكل صراحة، متوقفة عند محطات مؤلمة وأخرى مضيئة، لتناقش قضايا تمسّ المجتمع من رفض المظهر الجسدي المختلف كأنّه وصمة إلى الطلاق ومسؤوليات الأمومة المنفردة والعنف الأسري، وصولًا إلى معنى الدعم وبناء الذات. بهذا الطرح المتعدد المحاور، جاءت الحلقة لتؤكد أنّ السرد الشخصي ليس مجرد حكاية فردية، بل مرآة لقضايا مجتمع بأكمله، ودعوة صريحة إلى إعادة النظر في أحكامنا الجاهزة، وإلى ترسيخ ثقافة الدعم بدل الإقصاء.
كنت أرى نفسي مختلفة كثيرًا. مختلفة في شكلي، في نظرتي، في طريقتي في رؤية العالم. هذا الاختلاف لم يكن يُستقبل برحابة صدر، بل كان مادة سهلة للسخرية. كم مرة سمعت اسمي مقرونًا بصفة تؤذيني؟ إذا وُجدت فتاتان تحملان الاسم نفسه في الصف، يصبح التمييز بالسخرية: «نانسي… تلك التي عيناها بارزتان» كانوا يظنونها مزحة عابرة، لكنها بالنسبة لطفلة صغيرة كانت جرحًا يتكرر كل يوم.
ورغم ذلك، لم أُهزم. تعلّمت أن أحتضن اختلافي، أن أرى فيه علامة تميّز لا عيبًا. تعلّمت أنّ من لا يشبه الآخرين ليس ناقصًا، بل قد يكون أكثر وضوحًا من الجميع.
في حياتي، مررت بمحطات كثيرة جعلتني أفهم معنى الدعم الحقيقي. حين يقول لك والدك «أنتِ قطعة مني… أنتِ أنا»، تدرك أنّ هناك من يراك كما أنت، لا كما يراك المجتمع. حين يقول لي زوجي: «سبحان الذي خلقك»، أعرف أنّ التقدير ليس في الشكل وحده، بل في الروح، في التجربة، في القوة التي صقلتها الأيام. عندها فقط فهمت معنى أن تجد توأم روحك، أن تجد شخصًا يؤمن بك حين يشكك بك العالم.
هناك أوجاع كثيرة دفنتها. نسيتُها عمدًا، ولا أحب أن أعود إليها. لأنّ الحياة تصبح أهون حين لا نسمح للماضي أن يحكم حاضرنا. لكن بعض القضايا لا يمكن السكوت عنها.
الطلاق مثلًا. ليس فشلًا كما يصوره المجتمع، بل قد يكون نجاة. ومع ذلك، كم هي قاسية نظرة الناس إلى المرأة المطلّقة، وكم هي أقسى رحلتها إن كانت أمًا تربي أبناءها وحدها. تربية الأولاد مسؤولية عظيمة، فكيف إذا حملتها امرأة بمفردها؟ المجتمع سريع في إطلاق الأحكام، بطيء في تقديم الدعم. بدل أن يسألها: «كيف أساعدك؟» يسألها: «لماذا لم تصبري؟»
وأنا أقول، المسألة لا تبدأ بأول صفعة، بل بأول «قرصة». العنف لا يولد فجأة؛ هو يتسلل تدريجيًا. ومن تتنازل عن كرامتها مرة، يُطلب منها أن تتنازل ألف مرة. لذلك لا ينبغي تبرير العنف الأسري تحت أي ظرف، ولا تعليمه للأبناء على أنّه «حق» أو «تأديب». البيت الذي يُبنى على الخوف لا يخرج منه إلا الخوف.
أما المساكنة، فأنا ضدها. لأنّ العلاقة بين الرجل والمرأة ليست تجربة مؤقتة ولا عقدًا هشًا. الزواج ليس ورقة تربط شخصين، بل عهد مقدس ومسؤولية متبادلة. إن كان الطرفان يعيشان معًا بلا التزام، فما الذي سيدفعهما لتحمل مسؤولية أعمق؟ القضية ليست في التوقيع، بل في النية والالتزام. القدسية ليست في الحبر، بل في المعنى.
ولماذا يُفترض دائمًا أنّ الرجل يجب أن يكسب أكثر؟ أعطني سببًا منطقيًا. إذا مرضت المرأة يومين، هل تتوقف الحياة؟ البيت شراكة، والمسؤولية مشتركة. لا أحد أعلى من أحد، ولا قيمة لأحد دون الآخر. التكامل لا يعني التبعية، بل التعاون.
حتى في أقسى الظروف، حين تضطر امرأة أن تواجه الفقر وحدها، يجب أن نتذكر أنّ الطريق السيئ ليس حلًا. إن فكّرت امرأة أن تسلك دربًا مؤلمًا كي تُطعم أبناءها، فالمجتمع كلّه مسؤول قبل أن يدينها. التربية لا تُبنى على المال وحده، بل على الكرامة. والكرامة لا تُشترى.
هناك من سقطن في دروب مظلمة، كـبائعات الهوى مثلًا، لكن خلف كل حكاية قصة ألم، فقر، عنف، أو خذلان. بدل أن نرجمهنّ بالأحكام، علينا أن نسأل: من أوصلهنّ إلى هناك؟ وأين كان الدعم حين احتجنه؟
وفي المقابل، هناك قصص نجاح ولدت من رحم القسوة. امرأة رُفضت لأنّها مختلفة، فسخرت من الألم وصنعت منه دافعًا. أمّ ربت أبناءها وحدها، فكبروا وهم يرون في أمهم مثال القوة لا مثال النقص. ناجحة ليست لأنّها لم تتألم، بل لأنّها لم تسمح للألم أن يهزمها.
المجتمع غالبًا ما يرفض المختلف، يخافه، يحاول تطويعه أ
و كسره. لكن المختلفين هم من يوسّعون حدود الفكرة، ويغيّرون القواعد، ويصنعون المعنى الجديد للحياة.
أنا كنت مختلفة، وسُخر مني، وتألمت. نعم، كان الماضي قاسيًا.
لكن القسوة لم تُنهني، بل بنتني.

