بدأت المحادثات بين إيران والولايات المتحدة: مضيعة للوقت قبل الصراع الكبير؟

بدأت المحادثات بين إيران والولايات المتحدة: مضيعة للوقت قبل الصراع الكبير؟

  • ٠٤ شباط ٢٠٢٦
  • أنطوني سعد

تبدو محادثات إيران والولايات المتحدة أقل شبهاً بمحاولة جدية لتفادي الحرب، وأكثر شبهاً بمرحلة تمهيدية قبل اندلاعها.

في الوقت الذي تتصاعد فيه التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، ويترقّب الجميع إحتمال إندلاع مواجهة عسكرية واسعة في المنطقة، تتجه الأنظار اليوم إلى محادثات مرتقبة بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف. ظاهريًا، قد يبدو المشهد وكأنّ واشنطن وطهران تسعيان إلى حلّ دبلوماسي يمنع الإنفجار الإقليمي، لكن القراءة الأعمق تشير إلى أنّ هذه اللقاءات قد لا تكون سوى فصل جديد في مسرحية سياسية تسبق الحرب بدل أن تمنعها.
من الخارج، تبدو الدعوة إلى التفاوض كخطوة نحو التهدئة، خصوصًا في ظلّ خطاب دولي يحذّر من كارثة إقليمية إذا انهارت القنوات الدبلوماسية. غير أنّ معلومات دبلوماسية غربية تشير إلى أنّ الولايات المتحدة تدخل هذه المحادثات بثلاثة مطالب حاسمة لا تراجع عنها: وقف كامل لتخصيب اليورانيوم، تقليص كبير في برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية بعيدة المدى، ووقف تمويل وكلاء طهران الإقليميين وعلى رأسهم حزب الله.
هذه المطالب، إن نُظِر إليها من منظور إيراني، تعني عمليًا تفكيك جزء أساسي من قوة إيران الاستراتيجية ونفوذها الإقليمي. قبولها سيُفسَّر داخل النظام الإيراني كاستسلام سياسي وأمني، بل كنوع من «تغيير نظام مقنّع» يُفرغ الدولة من أدوات ردعها الأساسية. لذلك، تبدو فرص التوصل إلى اتفاق حقيقي ضعيفة جدًا، إن لم تكن معدومة.
ما يزيد الشكوك حول جدّية هذه المفاوضات هو توقيتها وسياقها العسكري. فقبل اللقاء المنتظر يوم الجمعة، من المقرر أن يجتمع ويتكوف مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، كما سيلتقي رئيس الموساد ورئيس الأركان الإسرائيليين. عادةً، عندما تكون الأطراف متجهة نحو سلام حقيقي، لا يكون التنسيق المكثف مع القيادات العسكرية والأمنية بهذا المستوى. مثل هذه الإجتماعات غالبًا ما تسبق تصعيدًا أو تحضيرًا لعمل عسكري، لا تفاوضًا ينهي الصراع.
أكثر من ذلك، نقل مصدر عسكري أميركي أن إيران طلبت من واشنطن سحب قواتها العسكرية المتجمّعة في مياه المنطقة كي تُعتبر المحادثات «جدّية». لكن ما يجري فعليًا يسير في الاتجاه المعاكس: الولايات المتحدة تواصل إرسال مزيد من التعزيزات والتسليح إلى المنطقة يومًا بعد يوم، في حشد عسكري متزايد يوحي بأن واشنطن تستعد للتصعيد أكثر مما تستعد للتفاوض. هذا التراكم المستمر للقوة الأميركية يجعل الشرط الإيراني يبدو عمليًا بلا قيمة، ويعزز الانطباع بأنّ المفاوضات تجري بينما الإستعدادات للحرب تتسارع في الخلفية.
الأمر الأكثر دلالة جاء مؤخرًا حين التقى نتنياهو بزعيم المعارضة يائير لابيد. في أعقاب الاجتماع، أعلن لابيد بوضوح أنّ إسرائيل «موحّدة في مواجهة إيران». تاريخيًا، مثل هذه اللقاءات بين الحكومة والمعارضة في إسرائيل غالبًا ما تسبق قرارات مصيرية أو عمليات عسكرية كبرى، إذ تسعى القيادة إلى توحيد الجبهة الداخلية قبل الدخول في مواجهة إقليمية واسعة.
إلى جانب ذلك، لا يمكن فصل هذه التطورات عن المشهد الأوسع في المنطقة: استمرار الحرب في غزة، التوتر على الحدود اللبنانية، الضربات الإسرائيلية المتكررة داخل سوريا، والتصعيد البحري في الخليج. كل هذه العوامل تجعل أي مسار تفاوضي هشًا وقابلًا للإنهيار عند أول شرارة.
كما أنّ إدارة ترامب - وفق قراءات سياسية أميركية - لا ترى في الدبلوماسية مع طهران خيارًا طويل الأمد، بل تكتيكًا مؤقتًا لامتصاص الضغط الدولي، بينما تُبنى التحالفات العسكرية والإقليمية لمواجهة إيران عند اللحظة المناسبة.
كل هذه المؤشرات ترسم صورة مقلقة: محادثات تُظهر انفتاحًا دبلوماسيًا في العلن، بينما تُستكمل الاستعدادات للحرب في الكواليس. المشهد يذكّر بما حصل في 2025، حين جرت جولات تفاوض لم تغيّر شيئًا على مسار التصعيد، بل وفّرت غطاءً سياسيًا لما تلاها من خطوات أكثر خطورة.
في المحصلة، تبدو محادثات إيران والولايات المتحدة أقل شبهاً بمحاولة جدية لتفادي الحرب، وأكثر شبهاً بمرحلة تمهيدية قبل اندلاعها. وإذا استمرت واشنطن في شروطها القصوى، واستمرت طهران في رفضها القاطع، فإنّ هذه اللقاءات قد تتحول من فرصة للسلام إلى مجرد فصل أخير قبل المواجهة الكبرى التي بات كثيرون يعتبرونها شبه حتمية.