«برلمان الشيوخ».. حين يصبح العمر برنامجاً إنتخابياً
«برلمان الشيوخ».. حين يصبح العمر برنامجاً إنتخابياً
من طرابلس إلى بنت جبيل، من الكورة إلى بعلبك، الحاجة واحدة، دم جديد، أفكار جديدة، وشجاعة كسر العادة. لا نحتاج إلى نواب أكثر خبرة في الماضي، بل إلى نواب لديهم مستقبل ليدافعوا عنه، لأنّهم ببساطة جزء منه
تأسف حين تتحوّل النيابة من وظيفة عامة إلى امتداد لنهاية الخدمة والعمر. كلما تقدّم السياسي اللبناني في السّن، بدا كأنّه يكتسب حقاً إضافياً في الترشح، لا يُناقَش ولا يُراجَع. البرلمان يشبه نادياً للمسنين السياسيين، تُعاد فيه بعض الأسماء نفسها كل أربع سنوات، لا لأنّها ناجحة، بل لأنّها لم تغادر يوماً.
الفشل لا يُقصي، والإنهيار لا يحاسب، والتجديد يُعامَل كخطر لا كضرورة. في بلد ينهار اقتصاده وتشيخ دولته، يُصرّ النظام السياسي على أن يشيخ هو أيضاً، وأن يفرض علينا الإختيار بين وجوه استنفدت زمنها، فيما يُنظر إلى ترشح شاب كأنّه مغامرة أو خروج عن المألوف، لا كحد أدنى من المنطق.
المعضلة في لبنان لم تكن يوماً نقصاً في الكفاءات. الجامعات تخرّج آلاف المتخصصين، والخبرة اللبنانية منتشرة في العالم، والنجاح الفردي بات قاعدة لا إستثناء. المشكلة الحقيقية هي فائض شيوخ سياسة. رجال أمضوا عقوداً في البرلمان أو في الترشح، أو في السلطة، أو في كواليسها، ولم يعودوا يملكون سوى خطاب مكرر وبليد، والخوف من أي محاولة لكسر الحلقة المفرغة. هؤلاء لا يخوضون الإنتخابات ببرامج، بل بسير ذاتية مستهلكة، وبحجّة «الخبرة» التي لا نرى لها أثراً في النتائج.
هنا يطرح السؤال نفسه ببرودة: ماذا يمكن أن يقدّم اليوم نائب أمضى أربع أو خمس دورات نيابية، أكثر مما قدّمه سابقاً؟ ماذا يمكن أن يضيف إيلي الفرزلي، أو غازي زعيتر، أو عشرات غيرهم من الوجوه المخضرمة، بعد كل هذه السنوات في السلطة أو في كواليسها؟
الخبرة، حين تنفصل عن المحاسبة والتجديد، تتحوّل إلى عبء. والعمر، حين يصبح بديلاً عن الكفاءة، لا ينتج حكمة بل جموداً. ليس كل من شاخ اكتسب رؤية أعمق، وليس كل من تقدّم في السّن بات أقدر على التشريع أو الرقابة. السياسة ليست دار رعاية للماضي، بل إدارة حية للحاضر واستثمار واعٍٍ في المستقبل... أو هكذا مفترض أن تكون.
في المقابل، لا يمكن إختزال ترشّح الشباب بوصفه حالة رومانسية أو إندفاعاً عاطفياً. الشباب ليسوا أفضل تلقائياً لأنّهم شباب، لكنهم يمتلكون ما يفتقده كثير من السياسيين الحاليين، وهو العلاقة العضوية مع المستقبل. من هو في الثلاثين أو الأربعين، يعمل ويخطط ويبني حياته في هذا البلد، يشرّع وهو يعلم أنّه سيعيش نتائج القوانين التي يقرّها. هو لا يتعامل مع الدولة كمرحلة عابرة أو كإرث عائلي، بل كمساحة حياة.
حين يترشح شاب مثقف، متعلّم، ناجح في مجاله، لم يخرج من رحم الزعامة ولا من كتالوغ الوراثة السياسية، فإنّ ذلك بحدّ ذاته رسالة. رسالة تقول إنّ السياسة يمكن أن تكون إمتداداً للكفاءة المهنية، لا بديلاً عنها. مهندس نقل يفكر في البنى التحتية، أو خبير إقتصادي يقرأ الأرقام بدل الإكتفاء بالشعارات، أو طبيب يفهم معنى انهيار النظام الصحي… هؤلاء لا يحملون خطاب الحرب والماضي، بل لغة الإدارة والتخطيط.
الأحزاب، بدورها، تقف أمام اختبار حقيقي. إشراك الشباب لا يكون عبر وضعهم في الصفوف الخلفية أو تقديمهم كواجهة إنتخابية فيما القرار يبقى بيد «الحرس القديم». حين يجرؤ حزب ما على الدفع بوجوه شابة إلى الصف الأول، لا يُصفق له فقط، بل يُسأل غيره: ماذا تنتظر؟ لماذا تصرّ على ترشيح الأسماء نفسها، رغم تآكلها شعبياً وأخلاقياً؟ ولماذا تخاف من التغيير إن كنت واثقاً من مشروعك؟
المسألة هنا لا تتعلّق بصراع أجيال، بل بصراع عقليات. بين عقل يدير السياسة بعقلية الأمس، وعقل يحاول، ولو بتعثر، التفكير بالغد. بين من ما زال يعيش في سرديات الحرب، ومن يريد الحديث عن النقل، والكهرباء، والتعليم، والبيئة، وفرص العمل. بين من يرى النيابة مكافأة نهاية خدمة، ومن يراها مسؤولية ثقيلة ومؤقتة.
من طرابلس إلى بنت جبيل، من الكورة إلى بعلبك، الحاجة واحدة، دم جديد، أفكار جديدة، وشجاعة كسر العادة. لا نحتاج إلى نواب أكثر خبرة في الماضي، بل إلى نواب لديهم مستقبل ليدافعوا عنه، لأنّهم ببساطة جزء منه.
قد تكون محاولات إشراك الشباب خجولة، ومحدودة، ومحاطة بالشكوك. لكنها، رغم كل شيء، أفضل من الإصرار على إدارة الغد بعقل الأمس. في بلد ينهار، التمسّك بالقديم ليس وفاءً للتجربة، بل إنكاراً للواقع. ولعل البداية، مهما كانت متواضعة، هي الإعتراف بأنّ السياسة، مثل الحياة، تحتاج أحياناً إلى أن تفسح المجال لمن لم يستهلكهم الماضي بعد.

