بالفيديو: ليس الرجال من يوشك على الإنقراض.. بل العمق في زمن الخوارزميات

بالفيديو: ليس الرجال من يوشك على الإنقراض.. بل العمق في زمن الخوارزميات

  • ٠٣ شباط ٢٠٢٦
  • كاسندرا حمادة

يُعاد تشكيل وعينا عبر الخوارزميات، وتُستبدل الأسئلة الجدية بعناوين صادمة. في عالم كهذا، لا يختفي الكروموسوم Y، بل يختفي العمق، وتصبح الحقيقة ضحية جانبية لمنطق الإنتشار.


في زمن تحكمه الخوارزميات، لم يعد الخبر ينتشر لأنّه مهم، بل لأنّه قابل «للترند». ما يعلو إلى الواجهة ليس الأكثر دقّة، بل الأكثر إثارة، وليس الأعمق، بل الأسرع في جذب الإنتباه. في هذا السياق، يصبح التضليل نتيجة طبيعية، لا استثناءً.

هكذا ظهرت فجأة «حادثة إنقراض الرجال». خلال أيام قليلة، امتلأت المنصّات بعناوين تحذّر من اختفاء الجنس الذكري، وتشبّه مصيره بالديناصورات. خبر واحد، بصياغات متشابهة، أعيد تداوله آلاف المرّات، لا لأنّه اكتشاف علمي جديد، بل لأنّه صادم، بسيط، ويضرب على وتر القلق والسخرية معاً.

في الأصل، لم تكن القصة سوى دراسة علمية نُشرت على موقع  «ساينس ألرت» (Science Alert)، تتناول تراجع الكروموسوم Y عبر مسار تطوّر الإنسان. الدراسة تشير إلى أنّ هذا الكروموسوم فقد نسبة كبيرة من جيناته مقارنة بالمراحل الأولى للتطوّر، وتطرح نقاشاً نظرياً حول مستقبله على مدى زمني يمتد لملايين السنين. لكن هذا السياق العلمي لم يعبر إلى الجمهور. ولأنّ الخوارزميات لا تحبّ الزمن الطويل، ولا الاحتمالات، ولا التباينات بين نتائج الأبحاث العلمية. ما التقطته هو الجملة الأكثر قابلية لإانتشار: «الكروموسوم Y يختفي». ومع أول إعادة صياغة، تحوّلت الفرضية إلى حقيقة، والاحتمال إلى مصير محتوم.

انقسم العلماء في الدراسة نفسها بين من يرى احتمالاً نظرياً بعيد المدى، ومن يؤكّد أنّ الكروموسوم Y أساسي ولا يمكن اختفاؤه بهذا الشكل. هذا الانقسام، الذي هو جوهر البحث العلمي، اختفى تماماً من التداول. لم يكن مفيداً «للترند»، ولم يخدم منطق الصدمة.
ما حدث هنا ليس خطأ إعلامياً معزولاً، بل نتيجة مباشرة لطريقة عمل الخوارزميات. فهي تعزّز العناوين التي تثير التفاعل، وتهمّش المحتوى الذي يتطلّب شرحاً وتأنّياً. كما كشف فيلم  «المعضلة الإجتماعية» (The Social Dilemma)، أنّ المنصّات لا تروّج للحقيقة، بل لما يُبقي المستخدم متفاعلاً، حتى لو كان ذلك على حساب الدقّة.
وفي هذا المناخ، يندمج منطق الخوارزميات مع ما يُسمّى «نظام التفاهة». فالمعرفة لا تُقصى بالقمع، بل بالإغراق. فإنّ دراسة علمية معقّدة تُدفن تحت موجة من العناوين الخفيفة، وتتحوّل إلى نكتة، أو فزاعة، أو مادة استهلاك سريع.
هكذا، لم تعد حادثة «انقراض الرجال» نقاشاً علمياً، بل مثالاً على كيفيّة صناعة التضليل الناعم. كيف يُنتزع الخبر من سياقه، ويُعاد تقديمه كتراند، ويُقاس صدقه بعدد المشاركات لا بمحتواه.
وفي النهاية، لا تكمن خطورة الحادثة في مضمونها البيولوجي، بل في دلالتها الثقافية. فهي تكشف كيف يُعاد تشكيل وعينا عبر الخوارزميات، وكيف تُستبدل الأسئلة الجدية بعناوين صادمة. في عالم كهذا، لا يختفي الكروموسوم Y، بل يختفي العمق، وتصبح الحقيقة ضحية جانبية لمنطق الإنتشار.