من "رئيسنا أحمد الشرع" إلى حرق العلم… كيف تتفكك المواطنة في لبنان؟

من "رئيسنا أحمد الشرع" إلى حرق العلم… كيف تتفكك المواطنة في لبنان؟

  • ٢٦ كانون الثاني ٢٠٢٦
  • تيريزا كرم

كيف تتفكك فكرة المواطنة في لبنان؟ من «رئيسنا أحمد الشرع» إلى حرق العلم. لماذا المواطن الطرابلسي المهمش لم يتوجه الى نجيب ميقاتي وغيره من سياسي المدينة؟


«إذا الدولة ما بتحمينا، صار عنا دولة بسوريا برئاسة أحمد الشرع تحمينا». عبارة قالها مواطن طرابلسي في فيديو متداول، لا يمكن التعامل معها كزلّة لسان أو إنفعال لحظي. فالتصريح باعتبار رئيس دولة أخرى «رئيسًا» أو «ظهرًا يحمي» يكشف خللًا عميقًا في مفهوم المواطنة، ويستعيد في مضمونه كلام المبعوث الأميركي توم برّاك حين قال: «يجب أن نجمع سوريا ولبنان معًا لأنّهما يمثلان حضارة رائعة».
السؤال لم يعد محصورًا بطرابلس، بل بلبنان ككل: لماذا يتخلّى المواطن اللبناني بسهولة عن فكرة الوطن؟ ولماذا يُخلط بين فشل الدولة وسقوط الإنتماء؟ ولماذا يتحوّل الخارج، أيّ خارج، إلى حلّ جاهز عند كل أزمة؟
من حقّ المواطن أن يهاجم السلطة، أن يحاسبها على الفشل، وأن يصرخ في وجه منظومة أهملت مدينته لعقود. لكن ما نشهده في بعض البيئات ليس غضبًا سياسيًا عابرًا، بل أزمة ثقة عميقة ومفهومًا هجينًا للمواطنة. طرابلس، الغارقة في العوز، ينحدر منها في الوقت نفسه كبار أثرياء لبنان، المدينة التي تتصدّر العناوين دائمًا تحت لافتة «مصيبة جديدة في طرابلس»، وآخرها إنهيار شقة سكنية كنموذج فجّ للإهمال وغياب العدالة.
فأي سياسات هذه التي تسمح بانفصال إجتماعي بهذا العمق؟ خصوصًا أنّ حكومات متعاقبة، وكان لرؤساء منها جذور طرابلسية، لم تُبدِ أي إكتراث فعلي بالمدينة.
لكن هذه الحادثة ليست إستثناءً. سبقها حرق العلم اللبناني على طريق المطار، في لحظة كان يُفترض أن تكون جامعة مع إنطلاق عهد جديد، واستبدال الأعلام الحزبية بالعلم الوطني. كما نشهد في كل استحقاق حزبي أو سياسي رفع أعلام غير لبنانية، في مشهد يضرب فكرة السيادة والانتماء في الصميم.
وفي مقابل ذلك، يبرز خطاب آخر لا يقل خطورة: الدعوة إلى «الانتداب من جديد» باعتباره خلاصًا، أو الرهان الكامل على الغرب والولايات المتحدة كمنقذ وحيد. بين من يريد الالتحاق بإيران، ومن يتطلع إلى واشنطن، ومن يرى الحل في الانضمام الى  سوريا، يتبدّد الوطن لمصلحة محاور متصارعة.
الأخطر من ذلك، وجود شريحة لا تعترف بالجيش اللبناني كحامٍ للحدود، وترفض أن تكون الدولة المرجعية الوحيدة للسلاح، وتُخوّن كل من يطالب بحصرية القوة بيدها. هنا لا يعود الخلاف سياسيًا، بل يصبح إنكارًا صريحًا لأسس الدولة.
المواطنة ليست شعارًا ولا هوية ظرفية. هي علاقة قانونية واجتماعية تقوم على الحقوق والواجبات، والمشاركة والولاء للدولة، لا للطائفة ولا للخارج. لبنان، منذ استقلاله عام 1943، عاش علاقة ملتبسة مع سوريا، وتحوّل مرارًا إلى ساحة نفوذ إقليمي، ما فاقم هشاشة الانتماء الوطني.
اليوم، ومع التحولات الكبرى في سوريا، وإعادة تشكيل السلطة في لبنان، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل يفهم اللبناني فعلًا معنى أن يكون مواطنًا؟ أم أنّ الوطن بات مجرّد خيار مؤقت إلى حين العثور على «حامٍ» يتماهى معه في الإنتماء المذهبي؟
حين تغيب المواطنة، لا يعود انهيار الدولة مفاجئًا، بل نتيجة طبيعية. وحين يبحث المواطن عن خلاصه خارج حدوده، يكون الوطن قد خسر معركته الأخطر معركته كمواطن.
اليأس يفسّر الانفعال، لكنه لا يبرّر استبدال الدولة بمرجعيات خارجية. المواطنية الحقيقية تحتاج اليوم إلى ثقة بالدولة، عدالة اجتماعية، تعليم مدني، ومشاركة فعلية في القرار. حين يشعر المواطن أنّ حقوقه محمية وأنّ الدولة موجودة، يصبح الغضب قوة للإصلاح، لا مبررًا لمحو الوطن.