حفل عمرو دياب: الفرح في زمن الحرب

حفل عمرو دياب: الفرح في زمن الحرب

  • ١٦ حزيران ٢٠٢٤
  • أنطوان الخوري طوق

هذا الحشد من الأعمار والأزياء والأذواق هو توق للحياة الطبيعية، وربما هو إحتجاج على دوّامة العنف والإنهيار وعقم الطبقة السياسية اللبنانية، هذه الطبقة التي تُشعر بالضجر والملل في الزمن الصعب.

   
على وقع التهديدات الإسرائيلية بالعودة بلبنان الى العصر الحجري، عبر تدمير مدنه وقراه ومرافقه الحيوية، شهدت بيروت إحتفالاً ضخماً أحياه الفنان المصري عمرو دياب بحيث قدّر عدد الحضور  بحوالي خمسة عشر ألفاً من محبي هذا النوع من الموسيقى والغناء.
أنا لست من المعجبين بعمرو دياب ولا بجيله من المغنين من الموجة الجديدة.  فأنا من جيل تعوّد أن يُطرب للكلمة واللحن ولا يمتهن التمايل والرقص مع الغناء، أنا من جيل فيروز والرحابنة، وصباح، ووديع الصافي،وأم كلثوم، وأسمهان، وليلى مراد،  وعبد الوهاب.

ولكنّني توقفت ملياً أمام هذا الحشد في مثل هذه الظروف التي نعيشها في ظلّ الحرب المستعرة في الجنوب، لقد وجدتُ في هذا الحشد إرادة حياة عند اللبنانيين من مختلف الأعمار، وتغلّب على الخوف وتجاهل للتهديدات الإسرائيلية. فبيروت لا يليق بها الحداد والصمت، تليق بها الأضواء وعجقة الناس والشوارع ويليق بها السهر،إذ إنّ إسرائيل ومنذ نشأتها عكس  المنطق والتاريخ، قد إمتهنت التخويف والمذابح وسرقة الفرح، فهي كيان خائف وحزين ومكتئب، والخائف إن كان فرداً أو دولة ينشر التهديد إينما وُجد.

وقد إستغلت إسرائيل الخوف في تبرير سياساتها التوسعية والأمنية، وفي صناعاتها العسكرية وسعيها الدؤوب لإمتلاك أحدث الأسلحة الدفاعية والهجومية حتى في المجازر والمذابح التي إرتكبتها قديماً وحديثاً، وحالياً كانت تستغلّ الخوف ويسايرها في ذلك ما نسميّه بالعالم المتمدّن والساعي الى الهيمنة عبر التخويف  الذي يستفز حياة الناس العادية.
 
فالفرح مُعدٍ كما الحزن، وربما إسرائيل حالياً مغتاظة من لامبالاة اللبنانيين بتهديداتها، ومغتاظة من إنصراف اللبنانيين الى السهر والرقص والفرح، وربما جاء هذا الإحتفال مقاومة من نوع آخر لسياسة التخويف والتعبئة المستدامة، ربما هو مقاومة للدعوات الى الموت أو نوع من التغلّب على اليأس والعجز والإستسلام لهذا الواقع الآسن.

لا أملك شيئاً ضدّ الذين رقصوا وغنوا مع عمرو دياب فهم أحرار في تذوّق ما يحبون، ولطالما كان التنوّع الثقافي في لبنان حجة لدحض فكرة الدول الصافية دينياً ومذهبياً، ومساحة حرّة للتعبير عن المواقف والمشاعر. من هنا جاء هذا الحشد من الأعمار والأزياء والأذواق توقاً للحياة الطبيعية، وإحتجاجاً على دوّامة العنف والإنهيار وعقم الطبقة السياسية اللبنانية، هذه الطبقة التي تُشعر بالضجر والملل في الزمن الصعب.

لست من المعجبين بعمرو دياب إنّما أعجبت «بفشة الخلق» هذه، عبر خروج الناس من جلودهم، ومن هذا السجن المخيف الذي وجدوا أنفسهم رهائن فيه بالرغم من أنوفهم.