إسمنوا لنبيعكم البديل

إسمنوا لنبيعكم البديل

  • ٢١ آذار ٢٠٢٤
  • غادة حدّاد

مع نهاية عام 2023، وصلت القيمة السوقية لشركة «نوفو نورديسك» الدانماركية، إلى 604 مليار دولاراً، لتغدو في المرتبة الثانية عشرة للشركات الأكثر قيمة في العالم، وتتخطى قيمتها السوقية الناتج المحلي للإقتصاد الدانماركي.

ads

بلغ الربح السنويّ للشركة 12,170 مليار دولاراً عام 2023، وهو أعلى مستوى ربح للشركة منذ تأسيسها عام 1989. تعود أرباح الشركة الى مبيعات دواء السكريّ «أوزمبيك»، الذي من عوارضه الجانبية فقدان الشهية، فإرتفعت إستخداماته بمثابة وسيلة لإنقاص الوزن، فاستحوذ هذا الدواء على 41 في المئة من مجمل مبيعات الشركة عام 2023 بأكثر من ملياري دولاراً. وعلى إثر إرتفاع المبيعات، طورت الشركة عقار، بنفس التركيبة، تحت إسم «ويغوفي»، مخصّص لإنقاص الوزن، وصلت قيمة مبيعاته في عام 2023 إلى 6.5 مليون دولاراً، وقد استخدمه أكثر من من 40 مليون شخصاً، بحسب الرئيس التنفيذي لشركة «لارس فرورجارد يورجنسن».

أعلنت الشركة في تشرين الثاني عن إستثمار بقيمة 2.2 مليار دولاراً في منشأة إنتاج فرنسية، لزيادة الطاقة الإنتاجية وتصنيع الأدوية الشعبية المضادة للسمنة. فيما يعتبر السوق الأميركي الأكبر إستهلاكاً لمنتجات الشركة، بحيث يعاني 1 من كل 5 أشخاص، بين 18 و24 عاماً، من السمنة.

تُعتبر الشركة نعمةً ماليةً للدنمارك، إذ أنّها المساهم الأكبر في ضريبة الشركات، لكن يشعر الإقتصاديون الدنماركيون بقلق تجاه مصير الاقتصاد، إذ هناك إحتمال أن تصاب بالداء الهولندي، الذي يضرب الدول عندما تشهد الدولة وفرة في الدخل من جراء ثروة طبيعية كالنفط أو أرباح مصرفية أو أرباح شركات، مقابل تراجع الصناعات والزراعة. وقال إستراتيجي الإستثمار في بنك «دانسكي لارس سكوفجارد أندرسن» أنّ «الدنماركيين مستفيدون من نجاح «نوفو نورديسك»، ولكنهم معرضون أيضًا للمخاطر، سواء لإنتشار الأسهم، أو بسبب تأثير الشركة على مجتمعنا».

قصة الشركة

خلف هذه الشركة قصة، بدأت عام 1922، يوم ذهب الأستاذ في جامعة كوبنهاغن «أوغست كروغ»، في جولة لإلقاء المحاضرات في جامعات الساحل الشرقي للولايات المتحدة، بعد حصوله على جائزة نوبل في علم وظائف الأعضاء أو الطب عام 1920. في تلك الرحلة، أقنعته زوجته «ماري كروغ»، بالذهاب إلى كندا للتعرّف إلى الإكتشاف الجديد للعلماء «فريدريك بانتنج» و«تشارلز بيست» و«جون ماكلويد»، حول تصنيع الأنسولين النشط. وكانت النتيجة أن حصل «أوغست كروغ» من العلماء الكنديين على إذن لتصنيع الأنسولين في بلدان الشمال الأوروبي، في كانون الأول عام 1922، شرط ألّا يُستغل لتحصيل أرباح غير أخلاقية.

و بعد عام من بدء عمل الشركة التجارية «Nordisk Insulinlaboratorium »، في الدانمارك، قام بإطلاق  المؤسسة الخيرية «نوفو نورديسك»، التي باتت أغنى مؤسسة خيرية في العالم، بأصول تبلغ قيمتها 116 مليار دولاراً أميركياً، وتمتلك 28.1 في المئة من أسهم الشركة «نوفو نورديسك»، و77 في المئة من حقوق التسويق.

بين عاميّ 2016 و2022، وزعت المؤسسة أكثر من 4.5 مليار دولاراً أمريكياً على شكل منح، للبحث والإبتكار والعلاج والتعليم والأغراض الإنسانية والإجتماعية. وينصّب التركيز الأساسي للمؤسسة على أبحاث الطب الحيوي والتكنولوجيا الحيوية.

وفي السنوات الأخيرة، زادت المؤسسة تركيزها على الإبتكار وعلاج مرض السكري والهبات للأغراض الإنسانية والإجتماعية. في عام 2016، منحت المؤسسة ما يزيد قليلاً عن 420 مليون دولاراً أمريكياً لمنطقة العاصمة الدنماركية لإنشاء مركز « ستينو» للسكري في كوبنهاغن، وهو مؤسسة لعلاج وأبحاث مرض السكري.

 

أداة البيع

وصل سعر علاج لمدة شهر من «أوزمبيك» في الولايات المتحدة إلى 969 دولاراً، فيما 1,069 دولاراً لعلاج «ويغوفي»، ليتحوّل العلاج لأداة بيع، على قاعدة خلق مشكلة، وبيع الحل. بهدف بيع سلعة، يجب أن تتوفر الحاجة إليها، وعندما تغدو المشكلة واضحة، يصبح الحل ضرورياً.

لفهم آلية الاقناع، يجب العودة إلى نهج «إدوارد بيرنيز» في التسويق، أو ما يعرف بـ «فن التلاعب»، إذ أنّ التسويق هو إبن علم النفس، وهو أمر يبدو بديهياً، كون «بيرنيز» هو إبن شقيقة مؤسس مدرسة التحليل النفسي وعلم النفس الحديث «سيغموند فرويد»، فاستخدم أبحاث خاله حول السلوك والعقل البشري لبيع المزيد من المنتجات. وهكذا، قام بتغيير التسويق إلى الأبد. لاحقاً، تحوّل مفهوم «بيرنيز» إلى ما يعرف اليوم بالعلاقات العامة.

قبل «بيرنيز»، كان التسويق يعتمد إلى حدٍ كبير على إظهار مزايا وخصائص المنتج، بشكلٍ مباشر. وهو أطلق الفكرة القائلة أنّ بيع أي شيء (من علامة تجارية إلى شخصية عامة)، يجب أن يرتبط بأعمق رغبات الناس ومخاوفهم. وكتب «بيرنيز»: «نادراً ما يدرك الناس الأسباب الحقيقية لسلوكهم... نحن مسيّرون، عقولنا تتشكل، وأذواقنا تتشكل، وتُملى علينا أفكارنا إلى حدّ كبير من قبل رجال لم نسمع عنهم من قبل».

كيف نبيع السمنة وعلاجها

بناءً على منهج «بيرنيز»، نعود إلى تاريخ بدء إنتشار السمنة في الدول الغربية، بين عاميّ 1976-1980، وقد ارتبطت بشكلٍ وثيق بتغيرات في النظام الغذائي، وتحديداً إلى تناول الأطعمة فائقة المعالجة (UPFs)، أي التي تحتوي على نسبة عالية من السعرات الحرارية، والملح والسكر والدهون، والقليل جدًا من الأطعمة الكاملة. ساعد تدنيّ سعر هذه المأكولات بإنتشارها، وزيادة شعبية مطاعم الوجبات السريعة. 

وعوضاً عن مكافحة هذه الأطعمة، عبر فرض رقابة صحية على إنتاجها، والترويج لبدائل صحية والرياضة، تحوّل عقار لمعالجة مرض السكريّ، إلى حلّ غير دائم، لكن مربح.
ads
ads