الكرك: حين يُختبر التعايش في جنازة
الكرك: حين يُختبر التعايش في جنازة
المعيار الأدق للتعايش هو قدرة الدولة على جعل الاختلاف الديني أمراً عادياً لا مصدراً للخوف
لم يحمِ التاريخ العريق كنيسة حمود في الكرك من الرصاص. ففي مكان اجتمع فيه الأهالي لوداع أحد موتاهم، تحولت الجنازة إلى مأساة. وبحسب الأمن العام، ترجّل مسلحون من مركبة وأطلقوا النار على المشيّعين، فأعلن مدير الأمن العام مقتل ٧ أشخاص وإصابة ٢٧، وأفادت تقارير لاحقة بارتفاع الحصيلة إلى ٨. وقد وصف وزير الداخلية الهجوم بأنّه إرهابي، وقال إنّ لدى الأجهزة أسماء مشتبهاً بهم، فيما لم تُعلن الدوافع بعد.
وجاء الموقف الرسمي سريعاً. فقد توعّد الملك عبداللهالثاني منفذي الهجوم بأشد العقوبات، ثم زار المصابين في مستشفى الكرك الحكومي مرتدياً الزي العسكري، وفق الديوان الملكي. وللموقف ثقل خاص، فالملك صاحب الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، وقد أعلن تمويل ترميم القبر المقدس عام ٢٠١٦. غير أنّ الامتحان هنا يتجاوز حماية المكان المقدس إلى حماية الإنسان فيه.
فالقضية أوسع من جريمة أمنية. ولا يُقاس التعايش بعدد الكنائس القائمة ولا بالمقاعد المخصصة للمسيحيين في البرلمان، فهذه مؤشرات مؤسسية مهمة لكنها ليست المعيار الأخير. المعيار الأدق هو قدرة الدولة على جعل الاختلاف الديني أمراً عادياً لا مصدراً للخوف، وعلى تأمين الناس في عباداتهم ومناسباتهم، ومنها الجنازات التي قلّما تُحاط بترتيبات أمنية.
والمسيحيون في الأردن حضورهم أقدم من الدولة الحديثة بقرون طويلة. وارتباط هذه الأرض بالإيمان المسيحي ليس ارتباط آثار فحسب، بل ارتباط نصّ إنجيلي وصلاة تذكر الأردن بالإسم. فالإنجيل بحسب يوحنا يحدد مكان عمل يوحنا المعمدان بأنّه «بيت عنيا عبر الأردن» (يوحنا ١: ٢٨)، أي على الضفة الشرقية للنهر. وتعدّ أغلب الطوائف المسيحية موقع المغطس مكان معمودية المسيح على يد يوحنا المعمدان، وقد أدرجته اليونسكو في قائمة التراث العالمي عام ٢٠١٥، وهو يضم كنائس وأبنية يعود بعضها إلى ما بعد القرن الرابع. ما يجعل الإجماع على المكان تقليداً راسخاً لا يقيناً أثرياً قاطعاً.
ولا يحتاج المسيحيون عموماً في هذا الشرق والأردنيون خصوصاً إلى من يمنحهم حقّ البقاء في أرض سبق حضورهم فيها قيام الدولة. ما يحتاجونه هو إطار يكفل حقّ الإختلاف والتعدّد، ودولة لا يصبح انتماؤهم الديني في ظلها سبباً لتهديد حياتهم، وتحقيق معلن ومحاسبة شفافة عن كل اعتداء يطالهم. فأرض تشهد نصوصها وآثارها وصلواتها على هذا الحضور الطويل، يُقاس أمنها بأمن أبنائها المسيحيين.

