ملاحظات عن الانتخابات الإسرائيلية.. «الديمقراطية الوحيدة» في الشرق الأوسط

ملاحظات عن الانتخابات الإسرائيلية.. «الديمقراطية الوحيدة» في الشرق الأوسط

  • ٢٨ تشرين الأول ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

) تبدو الانتخابات الإسرائيلية في ظاهرها ديمقراطية نابضة: جنود وسجناء يقترعون، وعرب يدخلون البرلمان. ليبقى السؤال الأعمق: هل تستطيع إسرائيل التوفيق بين الديمقراطية واليهودية بوصفها هوية للدولة؟

 

ثمة مفارقة تستحق التأمل في الانتخابات الإسرائيلية: إنّها، بمعايير التنافس الحزبي وحرية الاقتراع والتمثيل البرلماني، من أكثر الانتخابات ديمقراطية في الشرق الأوسط، وربما الأكثر رسوخاً من هذه الناحية. لا يحتاج المرء إلى التعاطف مع إسرائيل كي يلاحظ هذه الحقيقة، كما أن نقد سياساتها لا يستلزم إنكار الوقائع التي تميّز مؤسساتها الانتخابية.

في إسرائيل، لا يقتصر الاقتراع على المواطنين الذين يستطيعون الوصول إلى صناديقهم العادية. فالجنود يصوّتون في مواقع خدمتهم، وتتيح آليات خاصة للسجناء والمرضى وفئات أخرى ممارسة حقهم الانتخابي. وتُنقل أصواتهم عبر نظام «المظاريف المزدوجة»، الذي يحافظ على سرية التصويت ويمنع الاقتراع مرتين. وتُقدّر هذه المظاريف في الانتخابات الحالية بنحو٦٥٠ ألفاً، مقارنة بنحو٤٦٣ ألفاً في انتخابات ٢٠٢٢، ما يجعل فرزها المتأخر عاملاً قد يؤثر في توزيع المقاعد.

هذه التفاصيل تكشف عن مؤسسات قادرة على إدارة عملية انتخابية معقدة حتى في ظروف الحرب. كما تطرح سؤالاً سياسياً: ماذا تقول أصوات الجنود عن المجتمع الإسرائيلي؟ وهل تتطابق ميولهم مع ميول الناخبين عموماً؟ لا يجوز افتراض الإجابة مسبقاً، لكن هذه الأصوات تستحق قراءة تتجاوز احتساب المقاعد.

واللافت أنّ العالم يتابع الانتخابات الإسرائيلية، من واشنطن إلى العواصم الأوروبية والعربية، مروراً بطهران وأنقرة وموسكو. فالاهتمام لا يتناسب مع حجم إسرائيل الجغرافي أو السكاني، بل مع تأثير سياساتها في الحروب والتسويات والأمن الإقليمي. لذلك، لا تبدو هوية رئيس الحكومة المقبل شأناً داخلياً فحسب، بل عاملاً قد يؤثر في مستقبل لبنان والفلسطينيين وإيران والمنطقة.

لكن المفارقة الأعمق تكمن في الدور العربي. فالعرب المواطنون في إسرائيل ينتخبون بحرية، ويخوضون المنافسة عبر أحزابهم، ويفوز ممثلوهم بمقاعد في الكنيست. وهم كتلة انتخابية يمكن أن تؤثر في توزيع المقاعد وتشكيل الحكومة، التي تحتاج إلى أغلبية من ٦١ نائباً من أصل ١٢٠.

هنا تظهر معضلة النظام الإسرائيلي: فالانتخابات تعكس مجتمعاً متعدد القوميات، فيما تتمسك الدولة بهويتها اليهودية. يستطيع العربي أن ينتخب وأن يُنتخب، لكن ذلك لا يحسم موقعه من التصور القومي الذي تقوم عليه الدولة.

لا يعني ذلك أنّ إسرائيل دولة ثنائية القومية بالمعنى الدستوري، لكنها كذلك تواجه واقعاً سياسياً لا يمكن تجاهل بعده الثنائي القومي. فكلما ازداد تأثير الأحزاب العربية، اتسعت المسافة بين تعددية الجسم الانتخابي وأحادية تعريف الدولة لنفسها. وهذه هي المعضلة: كيف تمنح الدولة مواطنيها حقّ المشاركة، ثم تتعامل بعض قواها مع نتائج أصواتهم باعتبارها تهديداً لهويتها؟

قد يدفع التقدّم العربي الأحزاب الصهيونية إلى التقارب تحت عنوان حماية الأكثرية اليهودية، بما يمنح بنيامين نتنياهو فرصة لاستثمار التخويف من الدور العربي. وهكذا، يتحول التمثيل الذي يفترض أن يكون دليلاً على التعددية إلى ذريعة لمحاولة تطويقه.

أما نتائج الانتخابات، فينبغي قراءتها بحذر. فتقدم «الليكود» على حزب «يشار» لا يعني أنّ نتنياهو انتصر نهائياً، كما أنّ تقدّم منافسيه لا يعني أنّه انتهى سياسياً. فالفوز بأكبر عدد من المقاعد لا يساوي بالضرورة القدرة على تشكيل الحكومة؛ إذ تتوقف المسألة على جمع٦١ نائباً خلف ائتلاف قابل للحياة.

ونتنياهو، بخبرته الطويلة في إدارة التحالفات واستثمار الانقسامات، لم يفقد أوراقه السياسية لمجرد تقدم خصومه.

وثمة تحوّل آخر: الصراع بين الأحزاب الصهيونية بات يتمحور بدرجة متزايدة حول الموقف من «النتنياهويّة» بوصفها أسلوباً في الحكم، أكثر مما يتمحور حول مشاريع استراتيجية متباينة.

وفي المقابل، تراجع اليسار الصهيوني التاريخي، حتى كاد إرث حزب «العمل» يذوب في تشكيلات جديدة. ويحاول حزب «الديموقراطيين»، بقيادة يائير غولان، إعادة تجميع جزء من هذا الإرث، لكن معارضة نتنياهو لا تكفي وحدها لصناعة بديل سياسي مستدام.

في النهاية، ليست أهمية الانتخابات الإسرائيلية أنّها تقدم نموذجاً ديمقراطياً يمكن نقله ببساطة إلى الشرق الأوسط، أو أنّها تبرئ الدولة من سياساتها وتفاوتاتها. أهميتها أنّها تكشف قوة المؤسسات الانتخابية وحدودها، وفاعلية التعددية ومشكلاتها.

إنّها ديمقراطية تستحق الدراسة، لا التقديس. فالجنود والسجناء يستطيعون التصويت، والمواطنون العرب يفوزون بمقاعد برلمانية، فيما تبقى أسئلة المساواة والانتماء والهوية القومية مفتوحة.

ولعل السؤال الأعمق ليس من سيفوز، ولا ما إذا كان نتنياهو سيبقى أو يرحل، بل ما إذا كانت إسرائيل قادرة على التوفيق بين الديمقراطية بوصفها قاعدة للمشاركة، واليهودية بوصفها تعريفاً للدولة. فكلما ازداد الدور العربي في تقرير نتائج الانتخابات، أصبح هذا التناقض أكثر حضوراً وأكثر تأثيراً.