معرض بيروت للكتاب.. للكتب طوائفها أيضاً
معرض بيروت للكتاب.. للكتب طوائفها أيضاً
المعرض مساحة واحدة، لكن قرّاءه يأتون من عوالم متعددة، يتقاطعون في الممرات، ويتجاورون أمام الرفوف، ولكن دون أن يلتقوا بالضرورة حول أي شيء.
يكفي أن تجول في معرض بيروت العربي الدولي للكتاب هذه السنة، وتقارنه بما كانت عليه أجواؤه في السنوات الماضية، حتى تلاحظ بعض التغيّرات. من بينها تراجع الحضور الإيراني، أو على الأقل انخفاض عدد دور النشر الإيرانية التي اعتاد الزائر أن يصادفها بين الأجنحة.
لكن مشهد المعرض لا يتوقف عند ما تراجع حضوره، بل يكشف أيضاً عن ثبات ظاهرة أكثر رسوخاً: دور نشر تحمل هويات طائفية وسياسية واضحة، كأن لكل جماعة مكتبتها الخاصة، ولكل مشروع سياسي رفوفه التي يعرض عليها أفكاره.
في لبنان، يصعب أن تجد دار نشر لا تنتمي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى بيئة ثقافية أو سياسية محددة. هنا كتب تروّج لفكر حزب الله، وهناك منشورات تستعيد تجربة الإمام موسى الصدر، وفي جناح آخر مؤلفات قريبة من فِكر القوات اللبنانية، فيما تعرض دور أخرى أدبيات الأحزاب اليسارية والشيوعية والقومية السورية... كما تلك المروّجة للفدرالية والمارونية السياسية، إلخ. وبين هذه الاتجاهات، تتوزع دور نشر دينية وفلسفية وتاريخية، لكل منها جمهورها ومفرداتها ورموزها.
لا يحتاج الزائر دائماً إلى قراءة العناوين كي يعرف أين يقف. أحياناً تكفي صورة على الحائط، أو طبيعة الكتب المعروضة، أو وجوه وملابس من يترددون على الجناح.
في بعض الأجنحة اليسارية والشيوعية، تتراكم الكتب فوق الطاولات والرفوف بطريقة تبدو أقرب إلى مستودع صغير منها إلى واجهة تجارية منظمة. أسعار شعبية، بينها كتب بمئة ألف ليرة، وأغلفة يغلب عليها الأحمر، وصور للمناجل والمطارق ورموز الثورة والطبقة العاملة. هنا تحضر ذاكرة اليسار اللبناني، بأحزابه وتجارب حروبه ونقاباته ومفكريه، في مواجهة زمن تبدلت فيه اللغة السياسية وتراجعت فيه مكانة تلك التنظيمات، حتى أصبحت أقرب إلى فلكلور شعبي وحنين إلى ماضٍ اندثر.
وفي أجنحة أخرى، تبدو الرموز مختلفة، لكن وظيفة الهوية تبقى حاضرة. صورة للأمين العام السابق لحزب الله، السيد حسن نصرالله، تتصدر الرفوف، وإلى جانبها كتب دينية وسياسية وتاريخية تستحضر المقاومة وتجربتها. يتردد على هذه الأجنحة قراء من بيئات اجتماعية معروفة، ويمكن أن يلفت الانتباه حضور نساء محجبات متشحات بالسواد ورجال ملتحين، كما تلفت الانتباه في أجنحة أخرى وجوه شبابية تتدلى الصلبان من أعناق أصحابها، أو رجال دين ورهبان يتنقلون بين الكتب المسيحية واللاهوتية. ليست المظاهر دليلاً قاطعاً على أفكار الأفراد، لكنها جزء من المشهد الذي يجعل الانتماء قابلاً للقراءة حتى قبل أن يبدأ الحديث عن مضمون كتاب.
على مقربة من هذه الأجنحة، تتبدل الأجواء تماماً. تدخل بعض دور النشر المتخصصة في كتب الأطفال، فتشعر كأنك انتقلت إلى معرض في باريس: أغلفة ملونة، ورسوم جذابة، وعناوين بالفرنسية، وحديث بهذه اللغة بين العاملين والزوار. في أجنحة أخرى، تستعيد العربية مكانها بوصفها لغة الثقافة والهوية، لكن بمرجعيات مختلفة. فثمة ما يستحضر السعودية، وما يروّج للإنتاج الثقافي المصري أو لحركات المقاومة الفلسطينية، وما يرتبط بقطر أو الإمارات، سواء من خلال الكتب الصادرة عن مؤسساتها أو عبر الموضوعات التي تختارها دور النشر وتعرضها.
وهكذا لا تتعدد اللغات والموضوعات فقط، بل تتجاور أيضاً روافد ثقافية ومراكز نفوذ عربية وإقليمية، لكل منها حضورها في سوق الكتاب اللبناني.
هذا التنوع ليس تفصيلاً هامشياً في بلد تتداخل فيه الثقافة بالسياسة، بل هو انعكاس لتاريخه الاجتماعي وتركيبته الطائفية وعلاقاته الخارجية. فالكتاب في لبنان لم يكن يوماً مجرد سلعة ثقافية. كثيراً ما كان وسيلة لتثبيت سردية، أو نقل ذاكرة جماعية، أو الدفاع عن قضية، أو تقديم قراءة معينة للتاريخ.
ومن هنا، لا يبدو غريباً أن تتحول دور النشر، في معظم الحالات، إلى امتداد للمؤسسات الحزبية والدينية والفكرية، وأن تتجاور على رفوف المعرض كتب لا تختلف في موضوعاتها فحسب، بل في نظرتها إلى الدولة والمجتمع والهوية والمنطقة.
لكن اللافت أنّ معرضاً كهذا يُفترض أن يكون مساحة للقاء بين الأفكار، لا مجرد نقطة تجمّع لأصحاب الأفكار المتشابهة. يُفترض أن يدفع الكتاب قارئه إلى اكتشاف ما لا يعرفه، وأن يفتح له باباً إلى تجربة مختلفة، وربما إلى رأي يناقض ما اعتاد سماعه. ما يحدث في كثير من الأحيان يبدو أكثر ألفة: لكل دار جمهوره الذي يعرفه ويقصده، ولكل جناح زواره المعتادون. يأتي القارئ إلى الكتب التي تشبه اهتماماته، ويتوقف عند العناوين التي يعرف مرجعيتها، ثم يعبر أمام الأجنحة الأخرى، فيلقي نظرة سريعة على ما تعرضه، قبل أن يعود إلى المساحة الثقافية التي يشعر فيها بالأمان وبأنّه بين أهله.
يمرّ القارئ اليساري على كتب خصومه، كما يمرّ القارئ الحزبي على مؤلفات لا تنسجم مع روايته السياسية، وقد يتوقف أحدهما بدافع الفضول أو البحث عن معلومة. لكن النظرة العابرة لا تتحول بالضرورة إلى حوار، والتجاور المكاني لا يعني تفاعلاً فكرياً. تستطيع الكتب أن تقف جنباً إلى جنب على مسافة أمتار، فيما تبقى المسافات بين قرائها أبعد بكثير.
ولعل هذه هي إحدى مفارقات معرض بيروت: أنّه يجمع تحت سقف واحد عالماً ثقافياً متنوعاً، لكنه يعرض أيضاً حدود هذا التنوع. فكل جماعة تجد ما يعبّر عنها، وكل تيار يستطيع أن يستعيد تاريخه ويعرض أفكاره، وكل قارئ يجد في المعرض ما يبحث عنه. وفي الوقت نفسه، تكشف حركة الزوار عن ميل إلى البقاء داخل الدوائر المألوفة، حيث لا يحتاج المرء إلى شرح هويته أو الدفاع عن اختياراته.
هذه الصورة لا تنتقص من قيمة المعرض ولا تلغي ما يتيحه من فرص للاكتشاف، لكنها تضعه في سياقه اللبناني الحقيقي. فهنا لا تنفصل الثقافة عن السياسة، ولا تقف الطوائف عند أبواب دور العبادة، ولا تنحصر الأحزاب في مقراتها. لكل منها ما تقوله عن التاريخ والمجتمع والمستقبل، ولكل منها الكتب التي تختارها لتروي حكايتها.
في النهاية، لا تكمن دلالة معرض بيروت في عدد الكتب المعروضة أو تنوع دور النشر وحده، بل في ما يكشفه عن العلاقة بين اللبنانيين والثقافة. فالمعرض مساحة واحدة، لكن قرّاءه يأتون من عوالم متعددة، يتقاطعون في الممرات، ويتجاورون أمام الرفوف، ولكن دون أن يلتقوا بالضرورة حول أي شيء.

